(وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب، فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين، واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها، مثل قوله -عزوجل-:(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) .) ا. هـ
أقول: فكلام السلف -رحمهم الله- ومن جاء بعدهم، إنما يحمل على هذه المسألة دون الثانية وهي بيت القصيد.
الثانية: وهي فيصل النزاع، حيث ينحي الحاكم بغير الإسلام، هذه الشريعة الغراء عن سدة الحكم -أصلًا-، ثم بعد ذلك يحاكم الخلق إلى شريعة الغاب، التي استوردها من أسياده في الغرب، فمثل هذا لا يكون إلا كافرًا مرتدًا، وهذا هو مذهب السلف القائلين بأن الإيمان قول وعمل، فكما أن الإيمان قول وعمل -عندهم-، فكذا الكفر قول وعمل، والأعمال لديهم على قسمين:
الأول: عمل لا يخرق أصل الإيمان، وهذا كالذي يُقارف بعض الكبائر مثل الزنى والسرقة والربا والشرب وأشباه ذلك، أو يقاتل مسلمًا، أو يخونه، أو يغدر به، إلى غير ذلك، فإن مثل هذا لا يكون كافرًا إلا أن يكون يستحل ذلك.
والثاني: عمل خارق لأصل الإيمان من كل وجه، ويستحيل أن يقترفه المرء وهو مع ذلك باق في دائرة الإسلام، وهذا كالذي يسجد لصنم، أو يقاتل نبيًا، أو يسبَّه، أو يسبّ الله -تعالى-، أو يلقي المصحف في الحش أو يستهزىء بآيات الله ورسله وأنبيائه، أو يتحاكم لغير الشريعة؛ فإن التحاكم لغير الشريعة من هذا الجنس، ومن جعله في الجنس الأول، فقد غلط على الكتاب والسنة وما كان عليه السلف، بل لا يتم للعبد إيمان إلا بالكفر بالطاغوت، فمن تحاكم إلى غير شريعة الله -تعالى-، وعدل إلى ما سواه من طواغيت الأرض، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وذلك أن كل شيء يتحاكم إليه البشر دون حكم الله ورسوله، فهو طاغوت كما سيأتيك هذا من أقاويل أهل العلم، والله عزوجل إنما بعث رسله وأنبياءه، وأنزل كتبه وملائكته، لأجل هذا، كما قال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) ، وهذا المردود عليه، جعل ها مما اختلف فيه السلف، وهو إنما غلط بذلك بسبب اغتراره ببعض المتأخرين مثل الشيخين ابن باز والألباني، وغيرهما من المعاصرين، وهم غلطوا كما غلط هذا، وإن كان الألباني غلطه في هذا الباب أسهل من غيره، لأنه مرجىء في هذا الباب أصلًا، وغيره يدعي أنه على طريقة السلف، في مسائل الإيمان، بل يذهب إلى تكفير تارك الصلاة وأشباه هذا، كما هو مذهب جماهير الحنابلة -قديمًا وحديثًا-، وهذا القول هو المنصور لدى بعض علماء الحنابلة المبرَّزين من المعاصرين مثل الشيخ ابن باز وابن عثيمين وغيرهما من أهل مذهبهم، ولهذا أنكر بعضُ