(أجمع المسلمون على أن من سبّ اللهَ، أو سبّ رسوله صلى الله عليه وسلم، أو دفع شيئًا مما أنزل الله عز وجل، أو قتل نبيًا من أنبياء الله عز وجل، أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًّا بكل ما أنزل الله.) ا. هـ
قلت: فتأمّل قوله: (أودفع شيئًا مما أنزل الله عز وجل) ، وأي دفع لما أنزل الله -تعالى- أعظم من تنحية شريعته، وجعل قوانين وزبالات الغرب الكافر تحل محلها، فهل هذا إلا من التحاكم للطاغوت من كُلِّ وجه؟!
وقد نقل كلمة هذا الإمام غير واحد من الأئمة العلماء مقرين لها، مثل الإمام القاضي عِيَاض المالكي صاحب (الشفا) ، والإمام تقي الدين ابن تيمية الحنبلي صاحب (الصارم المسلول) ، وكذا نقله في كتابه (الإيمان) كما في /جـ7/ من فتاويه، بل لا يعلم أن أحدًا من السلف خالف هذا الإمام، فكان كالإجماع بينهم على ذلك، بل قد نقل بعض المتأخرين أن هذا إجماع بين علماء السنة كما سيأتيك.
والمقصود: أن المردود عليه خلط بين مسألتين في هذا الباب، وهما:
المسألة الأولى: من حكّم الشريعة -أصلًا-، ثم عدل عنها في حكمه بين الناس لرشوة أو قرابة، يفعل ذلك في واقعة أو واقعتين أو أكثر، دون أن يكون ذلك قانونًا عامًّا يتحاكم الناس إليه أسرابًا تلو أسراب، كما هو الحاصل في بلاد اليوم، التي تُسمّى حكوماتُها بالحكومات الإسلامية، والإسلام منها براء، براءة الذئب من دم يوسف -عليه السلام-، فمن كان هذا حالُه ومع ذلك عدل عن حكم الله -تعالى- لغرض دنيوي مثل الرشاوي أو القرابة و أمثال ذلك، فهذا الذي ذهب الخوارج إلى تكفيره، ولم يفرِّقوا في ذلك بين المستحل وغيره، وقد ردّ عليهم ابن عباس -رضي الله عنهما- على فرضِ صحة الرواية عنه بقوله: (كفر لا ينقل عن الملة) وأشباه هذا مما نقل عن السلف مثل طاووس - رحمه الله -، ولهذا قال الإمام الآجري -رحمه الله- كما في (الشريعة) له:
(ومما يتتبع الحرورية من المتشابه قول الله -عزوجل-:(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ، ويقرؤون معها: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) ، فإذا رأوا الإمام الحاكم يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، ومن كفر عدل بربّه فقد أشرك، فهؤلاء الأئمة مشركون، فيخرجون فيفعلون ما رأيت، لأنهم يتأولون هذه الآية).ا. هـ
وقال علامة المغرب في زمانه، الإمام ابن عبد البر - رحمه الله - كما في كتابه العظيم (التمهيد) (16/ 312) ما نصه: