الأول: إما مجاهدًا يحمل بندقيته على كتفه، يجاهد أعداء الله في الجبال والوديان، والأزقة والشوارع والبنيان، يقضُّ مضاجعهم، ويقلق راحتهم، ويكسر شوكتهم، ابتغاء وجه الله -تعالى-، ولتكون كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا السُّفلى.
والثاني: أو يكون مجاهدًا بقلمه ولسانه، يضحض شبهات أهل البدع، والضلال، والمنحرفين وغيرهم، كالطواغيت وأنصارهم في هذا الزمان مثل المردود عليه، فيكشف سوأتهم، ويعري ظاهرهم، ويكسِر أقلامهم، حتى يصير شجًا في حلوقهم، وسيفًا مسلولًا في نحورهم، وهذا من أعظم الجهاد، وهو كشف سبيل المجرمين، وإقامة الحجة على العالمين، كما قال تعالى: (وكذلك نفصِّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) ، فكشف سبيلهم من أعظم مقاصد هذه الشريعة الغراء، وهذا الجهاد، أعني جهاد الحجة واللسان قائمًا ما تعاقب الليل والنهار، كما قال العلامّة عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين -رحمه الله-، عند كلامه على حديث (لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) قال ما نصه:
(وليس المراد الظهور بالسيف دائمًا، بل بالحجة دائمًا وبالسيف أحيانًا.) [1] ا. هـ
قلت: فالواجب على الموحِّد أن يكون من هذين الصِّنفين، وإلا فهو كَلٌّ على معسكر الإيمان، والله المستعان.
ولذلك لم يزل أئمة التوحيد، يحرِّضون على جهاد الباطل وأهله، ودونك كلام أسد التوحيد في زمانه، الإمام الهُمام الشيخ العلامة"محمد بن عبد الوهاب"-نوّر الله ضريحه-، محرِّضًا لأصحابه وأنصاره على مجاهدة هؤلاء قائلًا:
(فالله، الله، إخواني: تمسكوا بأصل دينكم أوله وآخره، أسه ورأسه، وهو: شهادة أن لا إله إلا الله؛ واعرفوا: معناها؛ وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم، ولو كانوا بعيدين؛ واكفروا بالطواغيت، وعادوهم، وابغضوا من أحبهم، أو جادل عنهم، أو لم يكفرهم، أو قال ما عليّ منهم، أو قال ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله، وافترى، بل: كلفه الله بهم، وفرض عليه الكفر بهم، والبراءة منهم؛ ولو كانوا: إخوانه، وأولاده، فالله، الله، تمسكوا بأصل دينكم، لعلكم تلقون ربكم، لا تشركون به شيئًا، اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين.) [2] ا. هـ
(1) "أهمية الجهاد"للشيخ العلياني /صـ12/
(2) "الدرر السنيّة" (2/ 119 - 120)