فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 132

الثاني: قوله تعالى: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة) : فصرّح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو البغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا، فآثره على الدين، والله سبحانه أعلم) ا. هـ

قلت: فبان بذلك أن الخوف ليس من موانع الكفر، وأن الاعتذار بمثل ذلك عن المبدّلين لدين الأمة اعتذار سَمِجٌ رقيق، لا يخرج مثله إلا من جاهل أو زنديق، نعوذ بالله من الضلال.

وبهذا نكون قد أجبنا عن الشبه الثلاثة التي شغب بها على حادثة قتال الصحابة الكرام -رضي الله عنهم أجمعين- لمانعي الزكاة، وأبنا كيف أنهم ارتدوا بسبب امتناعهم عن الالتزام بفرض الزكاة، وأن الحاكمين بالقوانين الفرنجية أكفر من هؤلاء بدرجات، والحمد لله على توفيقه، ونسأله المزيد والمعونة.

وبهذا نكون -أيضًا- قد أجبنا عن جميع شبه المعترض في كلامنا على الوقفة الأولى وهي (كفر الحكام لأنهم لا يحكمون بما أنزل الله) ، وما أهدرنا الجواب عنه من كلامه؛ فإنما هو راجع إلى نفس شبهه التي أجبنا عنها، فلا نعيد القول فيها، وأنت إذا فهمت من أين أُتِيَ هذا الجُوَيْهل، علمتَ من أين تؤكل الكتف، وعلمتَ -مع هذا- كيف يكون الجواب على أمثال هؤلاء، الذين لا يدرون ما يخرج من رؤوسهم، ولا ما تكتب أقلامهم، ثم بعد ذلك يقولون: (فتأمل) !!، فهذا والله زمن الجهل والتافهين، الذين يتكلمون في أمر العامة، ولا يفقهون شيئًا، فإلى الله الشكاية وحده، فهؤلاء -والله- مِعْوَل الهدم في الأمة على الحقيقة، ولا يمكن لأمة الإسلام أن تصير قريرة العين، وتقيم خلافة على منهاج النبوة وفيها أمثال هؤلاء، فلا أكثر الله منهم، ولا كثر سوادهم، فكيف لا يهنأ الزنادقة والمرتدون وفي الأمة من يطلق عليهم المَسْحَة الشرعية، ويجعل لهم حق الريادة والرعاية، ثم مع ذلك لا يستحي هؤلاء مثل المردود عليه، أن يُسَوِّدوا أوراقًا وقراطيس في تقرير مذهبهم الفاسد، ويدّعون أنهم يتقربون إلى الله بذلك، وأنهم -أيضًا- أصحاب الأدلة الصحيحة، والدلالة الصريحة، وأنهم هم أهل السنة دون غيرهم؛ ثم بعد هذه الضلالات التي دخلوا سراديبها من كل جانب؛ يريدون مع هذا الضلال المتراكم أن يُقرّ الله أعينهم برجوع حكام المسلمين -زعموا- إلى الشرع المطهّر، فلعمر الله إن هذه لصفاقة وجه باردة، فحالهم كما قيل:

ألقاه في البحر مكتوفًا أياديه ... وقال إياك إياك أن تبتلّ بالماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت