فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 132

(وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان. وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة فلهذا كانوا مرتدين، وهم يقاتلون على منعها وإن أقرّوا بالوجوب، كما أمر الله) ا. هـ

قلت: فعُلِمَ من ذلك أن قتال الصحابة -رضي الله عنهم- كان لمجرد المنع، لا لأجل جحد الوجوب كما يدّعي المعترض؛ وأيضًا مما يبين ذلك، أن طائفة منهم كما يقول شيخ الإسلام في المثبت أعلاه كانوا منعوا زكاة أموالهم بُخلًا منهم بذلك، ومع هذا أكفرهم السّلف كما قال شيخ الإسلام.

وبالجملة، فمن امتنع عن التزام الشرائع كلها أو بعضها مثل الزكاة، فقد اتفق العلماء على وجوب قتاله، وهذا لا يكون إلا كافرًا مرتدًا عن الإسلام، والمعترض قوّل الإمام ابن تيمية ما لم يقله، بل قال عكسه كما رأيت، فإنه كان أوهم القارىء أن الإمام يقول بقوله، وذلك أنه سحب كلام الإمام في تارك الصلاة الممتنع عن أدائها على تاركي الزكاة الذين أكفرهم السلف، فلما حكم شيخ الإسلام على الممتنع عن الصلاة حتى يُقتل أنه يستحيل أن يكون مقرًّا بها في الباطن ومع هذا لا يفعلها حتى يقتل، ظن المردود عليه أن كلام الإمام مُطرّد في هذا الباب، وليس كذلك كما عرفتك من كلامه -رحمه الله-، فإنه قرر أن تاركي الزكاة يكفَّرون وإن كانوا مقرين بها في الباطن، وذلك لأجل امتناعهم، وحكى أن الصحابة قاتلوهم لأجل الامتناع دون سواه، وحكى -مع ذلك- أن بعض تاركي الزكاة كان قد امتنع عن أدائها بُخْلًا منه بذلك، ومع هذا فسيرة السلف فيهم سيرة واحدة من قتالهم وتكفيرهم وسبي نسائهم والحكم عليهم بأنهم من أصحاب النار، وهذا يدلّك على أن الإمام ابن تيمية وغيره من أئمة السنة إذا تكلّموا في تكفير الذين لا يلتزمون الشرائع حتى يُقتلوا أو يُقاتلوا وأن ذلك دليل جحدهم في الباطن؛ أن هذا غير مطرّد عندهم، وأنه ليس بشرط كما يدّعي هذا المردود عليه، وإنما هو من اللوازم، وفرق بين الشرط واللازم كما كنتُ أبنتُ هذا.

وأيضًا: فإن الذي لا يلتزم القيام بالشرائع والعمل بها؛ لا يكون إلا كافرًا مرتدًا، ويستحيل أن يكون يفعل ذلك؛ ويكون مع هذا مؤمنًا في الباطن، بل لا يكون إلا كافرًا، وإن كان مقرًّا بها في الباطن، فإن هذا من جنس خرق أعمال القلوب، ومعلوم أن الإيمان قول وعمل، وإيمان القلب إنما قام سوقه بأمرين: بالتصديق، وبالإخلاص والمحبة والانقياد، والأول الذي هو التصديق ليس بنافع صاحبه مع انتفاء الأمر الثاني، فافهم هذا فإنه سرّ النزاع في مسألة الإيمان، فإذا فهمت هذا جيدًا علمتَ لماذا يكفّر علماء السنة المبدّل للشريعة، ويعوّلون بذلك على نفس التبديل دون غيره من الجحد أو التكذيب أو عدم الإقرار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت