فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 132

والحرب والمكيدة؟ فقال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: إن هذا ليس بمنزل قتال، فقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأيه، وتحول عن مكانه، ولذلك لم يرد عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه عنفهم أو زجرهم، أو قال لهم: اتقوا الله، فإن لم أعدل أنا فمن يعدل إذًا؟ أو قال لهم: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء ... ؟!،كما كان قال ذلك للمعترضين على حكمه، وإنما جمعهم -عليه الصلاة والسلام- وخطب بهم خطبة عظيمة، وقال: أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-، فقالوا: (بلى يا رسول الله، قد رضينا) ، ولذلك فإن هذا منهم -رضي الله عنهم- لا يعدُّ من باب إساءة الأدب معه -عليه الصلاة والسلام-، ولا أنه قَدْحٌ في مقام النبوة كما يظن هذا المردود عليه وأمثاله، وإنما هو من باب العتاب كما ذكرت -آنفًا-، فليس فيه أن هؤلاء الصحابة -رضي الله عنهم- اعترضوا على حكم رسول الله، أو أنهم رفضوه وأبوا الانصياع له، وحاشهم من ذلك وهم حماة التوحيد، ويدخل في هذا الباب -أيضًا- مراجعة بعض الصحابة -رضي الله عنهم- يوم الحديبية له، مثل عمر -رضي الله عنه-، فليس في هذا اعتراض على حكم الله ورسوله، وإنما هو من باب الغيرة على الإسلام، وقد يكون صاحبه مأجورًا، فإن الكلمة يقولها الواحد لأجل الغيرة على الدين، ويقولها آخر لأجل دنياه أولأجل هوىً في نفسه فيكون الأول مأجورًا أو معفوًا عنه، ويكون الثاني موزورًا من كل وجه، ولذلك قال العلامة السّعدي -رحمه الله- كما في رسالته (القواعد الفقهية) ما نصه: (ومما يدخل في هذا: أن من غضب وكان غضبه لله، فصدر عن ذلك الغضب أقوال وأفعال لا تجوز، متأوّلًا في ذلك مجتهدًا فإنه معفي عنه، كما قال عمر -رضي الله عنه- للنبي صلى الله عليه وسلم في شأن حاطب بن أبي بلتعة: إنه منافق، واعتراضه على النبي -صلى الله عليه وسلم- في قصة الحديبية ونحوها، بخلاف من قصده متابعة هواه والحمية لنفسه، فإنه يُعاقب على ما صدر عنه من الأقوال والأفعال) ا. هـ

قلت: وبعد ماحَرَّرْتُهُ هنا في المذكور أعلاهُ في الجواب عن شبهة المردود عليه، طالعتُ (الصارم المسلول) لتقي الدين ابن تيمية -رحمه الله- فوجدته انتهى إلى مثل ما حكيتُه هنا، ولله الحمد، فليس ثمة اختلاف في هذا عن العلماء، لا سيما الإمام ابن تيمية الذي كثيرًا ما يستشهد به المردود عليه، وينسِبُ نفسه إلى طريقته في هذا الباب العظيم، وقد قال -رحمه الله- في (صارمه) (2/ 359) فما بعدها، عند شرحه للحديث نفسه ما عبارته:

(قيل: إن أحدًا من المؤمنين من قريش والأنصار وغيرهم لم يكن في شيء من كلامه تجويرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تجويزُ [1] ذلك عليه، ولا اتهام له أنه حابى في القسمة لهوى النفس وطلب الملك، ولا نسبة له إلى أنه لم يرد بالقسمة وجه الله، ونحو ذلك مما جاء مثله في كلام

(1) في الأصل (تجوير) بالراء والأصل ما أثبتناه والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت