(ما روى الشيخان عن أنس بن مالك أن ناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالًا من قريش المائة من الإبل فقالوا: يغفر الله لرسول الله يعطي قريشًا وسيوفنا تقطر من دمائهم. وفي رواية: لما فُتحت مكة قسم الغنائم في قريش فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم ...(ثم قال) :
وجه الدلالة: أن هؤلاء استنكروا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجدوا في أنفسهم حرجًا ولم يكفِّرهم -صلى الله عليه وسلم-) ا. هـ
وأقول: والجواب عن هذا من وجوه:
الأول: أن في هذا إساءة ظن بأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أنهم اعترضوا على حكم الله ورسوله بعدما تبين لهم ذلك!، ونعوذ بالله من نسبتهم إلى هذا الطعن، وقائل هذا القول أشبه بالروافض الزنادقة الذين ينسبون الضلال والأباطيل إلى أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام-، ونستجير بالله من ذلك، وهذا يقتضي أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين جاهدوا معه، وسيوفهم تقطر من دماء الكفرة، وقد قال الله تعالى فيهم: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) يقتضي كلام هذا المردود عليه أنهم لم يكونوا قد حققوا الإيمان الواجب إلى حين قالوا مقالتهم تلك!، وكانوا مع ذلك يعترضون على حكم الله -تعالى- ورسوله -عليه الصلاة والسلام-، وهو لا يمكن له أن يلتزم هذا الباطل،!! فلما كان اللازم باطلًا دلّ ذلك على فساد الملزوم.
الثاني: أن هذا يقتضي -أيضًا- كفر تلك العُصْبة من الأنصار -رضي الله عنهم-، وذلك باعتراضهم على حكم الشريعة، إذ الاعتراض كفر مخرج من الملة كما أبنّا هذا سابقًا، ولا شك أن مثل هذا ينزّه عنه كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، فكيف بأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين جاهدوا معه وقاتلوا دونه -عليه الصلاة والسلام-، فاللهم إنا نبرأ إليك مما ينسبه هذا الأفّاك إلى أصحاب نبيك -عليه الصلاة والسلام-.
الثالث: أن ذلك لم يكن منهم كما ظن هذا المردود عليه، وإنما كان على وجه المُعاتبة له -صلى الله عليه وسلم-، فهم ظنوا أن هذا من باب اجتهاد النبي -عليه الصلاة والسلام-، في المسائل الدنيوية التي لم ينزل بها وحي وهو يجوز عليه الخطأ في ذلك على الصحيح إلا أنه -عليه الصلاة والسلام- لا يقر على ذلك، وهذا كان أحيانًا يَرِدُ لبعض الصحابة -رضي الله عنهم- مثل ما وقع في ذلك للحُباب بن المنذر -رضي الله عنه- لما نزل النبي -صلى الله عليه وسلم- منزلًا ببدر، فقال له: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل الذي نزلته، أهو منزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتعداه أم هو الرأي