الصفحة 5 من 156

لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا، وكل حكم من الأحكام التي كلف الله بها عباده هي من هذا الدين، ومن وفقه الله لبيان هذا الحكم، والقيام به في الناس - تعليمًا وتفقيهًا ودعوة- فقد حقق بذلك شيئًا من معنى قوله سبحانه {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) } ويكون قد أدرج نفسه في معنى هذا الحديث الشريف (لا تزال طائفة من أمتي .... الحديث) وصير نفسه جزءًا من معناه الواسع الجليل، ليس من باب الاختيار، بل إنما هو من باب الغلبة والجبر، وهكذا يجد المسلم نفسه في أحيان كثيرة آخذًا نفسه بنفسه إلى منازل ينتهي فيها إلى تلكم الطائفة التي أثنى عليها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

وهذه الطائفة - التي أثنى عليها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وصار الناس يعرفونهاـ بتصورها وسلوكها البادي بحركته، وثبوته، وتوافقه، وتخالفه، على مدى العقود والأجيال، والقرون والآماد - ليست تلتقي وتجتمع على نمط واحد من أنماط المعرفة والعلم، بل قد يكون لقاء، ويكون اختلاف، والأرجح والأغلب أن يكون اختلاف في ذلك، لكي تتحقق دائرة المعرفة الإنسانية الكاملة في حياة الأمة، فينشأ منها جميعًا نمط حضاري مؤتلف، لا بد فيه من أصلين يقوم عليهما، تكون له بهما صفة الاستمرار والدوام، والنفع المؤثر في حياة الأمة الخاصة والعامة، ويكون القوامون عليها بمثل ذلكم التصور والسلوك، إما تلكم الطائفة برقتها، وإما جزء منها، أتقنت بالتجربة وحسن الإحاطة والنظر، أكثر من غيرها ما يكفل لهذا النمط الحضاري صفة الدوام والاستمرار، بأصليه الاثنين، وهما حاجات الأمة وما يقتضيه وجود حياتها، ثم الحرص على التأليف والجمع بين مقتضيات هذا النمط الحضاري، وما ينبغي أن يخفي علينا أن العلوم الشرعية، التي انتجها الكتاب والسنة، وقدمتها عقول العلماء في أطرها الحسنة الجميلة للأمة في جميع أعصارها وأمصارها، وأوثقتها إليها في قوة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت