فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 41

تقدم، وتخصيص الناس له ببعض أنواع الأطباء، عرفٌ حادث، كتخصيص لفظ الداية بما يخصُها به كل قوم"."

وفي الوقت الحاضر، خص مصطلح الطبيب، على من يُطبه بوصفه وقوله، وهو من أطلق عليه ابن قيم الجوزية، الطبائعي، أو يُطبه بمبضعه ومراهمه، وهو الجرائحي. أما من خص بطبه البهائم، فيطلق عليه البزاغ، وهو البيطار [1] .

وعلى كل، فإن مصطلح الطبيب لا يُطلق إلا على العالم بالطب والمتخصص فيه، فقد روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من تطبب ولا يُعلم منه طبٌ فهو ضامن" [2] .

كما روى عن عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز، حدثني بعض الوفد الذين قدموا على أبي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"أيما طبيب تطبب على قوم، لا يُعرف له تطببٌ قبل ذلك، فأعنت، فهو ضامن" [3] .

ولهذا أجمع أهل العلم على إيجاب الضمان على الطبيب الجاهل، فإذا تعاطى علم الطب وعمله، من لم يتقدم له به معرفة، فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس، وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه، فيكون قد غرر بالعليل، فيلزمه الضمان لذلك [4] .

كما جاء في الطب النبوي [5] "متطببٌ جاهل باشرت يدُه من يُطبُه، فتلف به، فهذا إن علم المجني عليه أنه جاهل لا علم له، وأذن له في طبه، لم يضمن، ولا يخالف هذه الصورة، ظاهر الحديث، فإن السياق وقوة الكلام، يدل على أنه غرَّ العليل، وأوهمه أنه طبيب، وليس كذلك".

وأرى أنه إذا كان الضمان في صورة القصاص، قد سقط في هذه الحالة، بعلم المجني عليه بجهل الطبيب وأذن له مع ذلك بتطبيبه، باعتبار ذلك شبهة، والقصاصُ يُِدرأ بالشبهات، فإنه يبقى للمجني عليه ولورثته الحق في الدية، باعتبار أنها تثبت مع الشبهات، يقدرها وليَّ الأمر، فضلًا عن توقيع عقوبة تعزيرية يقدّرها ولي الأمر، على المجني عليه -إن كان حيًا- وعلى الطبيب الجاهل، لاعتدائهما معًا على الحق في سلامة الجسم، وهو من الحقوق المشتركة بين الله سبحانه وتعالى والعبد.

ولهذا جاء في حاشية الدسوقي [6] "وإنما لم يقتص من الجاهل يعني بالطب- لأن الفرض أنه لم يقصد ضررًا، وإنما قصد نفع العليل أو رجا ذلك، وأما لو قصد ضررًا، فإنه يقتص منه".

فقد اعتبر الإذن من المريض وحسن نية مدعي الطب، بقصده العلاج، شبهة دارئة للقصاص، لكنها لا تنفي وجوب الدية.

(1) رد المحتار: لابن عابدين، على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، للحصفكي، دار إحياء التراث العربي جـ 5 ص 43، كشاف القناع: للبهوتي، عن متن الإقناع: للإمام موسى بن أحمد الحجاوي الصالحي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1418 هـ 1997 جـ 4 ص 42.

(2) سنن أبي داود: دار إحياء التراث العربي، بيروت جـ 4 كتاب الديات، باب من تطبب بغير علم فأعنت، حديث رقم 4586 ص 195 والنص له، وقال عنه، هذا الحديث لم يروه إلا الوليد، لا ندري هو صحيح أم لا، سنن ابن ماجه، دار إحياء التراث العربي جـ 2 كتاب الطب، باب من تطبب ولم يعلم منه طب، حديث رقم 3466 ص 1148.

(3) سنن أبي داود جـ 4، كتاب الديات، باب من تطبب بغير علم فأعنت، حديث رقم 4587 ص 195، وجاء فيه، قال عبدالعزيز، أما أنه ليس بالعنت، إنما هو قطع العروق والبط والكيَّ.

(4) الطب النبوي: لابن قيم الجوزية ص 109.

(5) ص 110.

(6) على الشرح الكبير للدردير: دار إحياء الكتب العربية جـ 3 ص 295.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت