فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 254

وذلك هو حقيقة الشهادتين , فمن قام بهما على هذا الوجه فهو من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب أ. هـ

وقفا مع أدلة الباب

وَقَوْلِ اَللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) } .

ذكر الله في هذه الآية أربع صفات لإبراهيم عليه السلام , كلها تدل على كمال توحيده، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام من أظهر الأنبياء - بعد نبينا - صلى الله عليه وسلم - تحقيقًا للتوحيد , ولذا يسمى إمام الحنفاء، وقد أمر الله نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بإتباع ملته , قال تعالى (أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا) ووصفه الله بقوله (وإبراهيم الذي وفى) .

وهذه الصفات الأربع هي:

1.أنه كان أمة: وجاء في تفسيرها للسلف عدة معانٍ كلها صحيحة لا تتعارض:

أ. كان على الحق وحده في زمن من الأزمان، كما جاء عند البخاري في قصة طويلة أنه قال لسارة: (ليس معنا اليوم في الإيمان غيري وغيرك) . فقام مقام أمة في الأخذ بالحق والثبات عليه.

ب. كان يدعو إلى الحق وحده , فقام مقام أمة في الدعوة إلى الله , قال تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير) .

ج. كان إمامًا يقتدى به في الخير , قال تعالى (إني جاعلك للناس إمامًا) .

2.أنه كان قانتًا لله: والقنوت هو دوام الطاعة [1] ، فهو دائم الطاعة لله , لكمال تحقيق مقامات التوحيد في قلبه , من محبة الله , والتوكل عليه , والإيمان بوعده.

3.أنه كان حنيفًا: والحنف: هو الميل، والمعنى: المقبل على الله , المائل عن كل ما سواه , والعرب تطلقه على دين إبراهيم. قال ابن القيم: أصل الحنف الإقبال , ثم وصف بلازمه وهو الميل , لأن المقبل على شيء مائل عن غيره.

4.أنه لم يك من المشركين: لا في عبادته , ولا في أقواله , ولا في أفعاله، بل فارق المشركين في عقيدتهم , وأعمالهم , وأقوالهم، ومنزله (إني مهاجر إلى ربي سيهدين) .

وجمع مع هذا كله التبرؤ منهم , ومن معبوداتهم (إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله) وعابهم , وكسر أصنامهم (فجعلهم جذاذًا إلا كبيرًا لهم) تهكمًا بهم , وعاب العابد قبل المعبود (أف لكم ولما تعبدون من دون الله) , وتبرأ من العابد قبل المعبود (إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله) وكل هذه الصفات دالة على كمال تحقيق إبراهيم عليه الصلاة والسلام للتوحيد.

والغرض من إيراد المصنف لهذه الآية في هذا الباب , والله أعلم , هو ذكر مثال لمن حقق التوحيد , وبيان صفاتِهِ , ليقتدى به.

(1) قال ابن القيم عن القنوت: وجميع استعمالاتها ترجع إلى دوام الطاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت