(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) وقد أغوى آدم فأخرجه من الجنة , مع أن الله سبحانه وتعالى حذره منه , وبين له أنه عدوه , كما قال تعالى في سورة طه (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) ومن ذلك قصة بني إسرائيل مع السامري حينما وضع لهم من حليهم عجلًا ليعبدوه من دون الله , فزين لهم الشيطان عبادته مع ظهور بطلانها , وثبت في جامع الترمذي وغيره بإسناد صحيح عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال (خرجنا مع رسول الله - إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر , وللمشركين سدرة يعكفون عندها , وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط , فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط , كما لهم ذات أنواط. فقال: الله أكبر إنها السنن , قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة , لتركبن سنن من كان قبلكم) .
شبه قولهم (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) بقول بني إسرائيل (اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة) فدل ذلك على أن الاعتبار بالمعاني والمقاصد لا بمجرد الألفاظ , ولعظم جريمة الشرك , وخطره في إحباط العمل نرى الخليل عليه السلام يدعو الله له ولبنيه السلامة منه , قال الله تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) الآية.
فإذا خافه الأنبياء والرسل - وهم أشرف الخلق , وأعلمهم بالله , وأتقاهم له - فغيرهم أولى وأحرى بأن يخاف عليه ذلك , ويجب تحذيره منه , كما يجب سد الذرائع الموصلة إليه , ومهما عمل أهل الحق من احتياط , أو تحفظ فلن يحول ذلك بين الجهال , وبين المفاسد المترتبة على تعظيم الآثار , لأن الناس يختلفون من حيث الفهم , والتأثر , والبحث عن الحق اختلافًا كثيرًا , ولذلك عبد قوم نوح عليه السلام ودًا وسواعًا , ويغوث , ويعوق , ونسرًا , مع أن الأصل في تصويرهم هو التذكير بأعمالهم الصالحة للتأسي , والاقتداء بهم , لا للغلو فيهم , وعبادتهم من دون الله , ولكن الشيطان أنسى من جاء بعد من صورهم هذا المقصد , وزين لهم عبادتهم من دون الله , وكان ذلك هو سبب الشرك في بني آدم , روى ذلك البخاري رحمه الله في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح , فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا , وسموها بأسمائهم , ففعلوا فلم تعبد , حتى إذا هلك أولئك , ونسخ العلم عبدت.
أما التمثيل بما فعله اليهود والنصارى فإن الله جل وعلا أمر بالحذر من طريقهم , لأنه طريق ضلال وهلاك , ولا يجوز التشبه بهم في أعمالهم المخالفة لشرعنا , وهم معروفون بالضلال , وإتباع الهوى , والتحريف لما جاء به أنبياؤهم , فلهذا ولغيره من أعمالهم الضالة نهينا عن التشبه بهم , وسلوك طريقهم.
والحاصل أن المفاسد التي ستنشأ عن الاعتناء بالآثار وإحيائها محققة , ولا يحصى كميتها , وأنواعها , وغاياتها إلا الله سبحانه , فوجب منع إحيائها , وسد الذرائع إلى ذلك , ومعلوم أن أصحاب النبي - ورضي الله عنهم أعلم الناس بدين الله , وأحب الناس لرسول الله - وأكملهم نصحًا لله ولعباده , ولم يحيوا هذه الآثار , ولم يعظموها , ولم يدعوا إلى إحيائها , بل لما رأى عمر رضي الله عنه بعض الناس يذهب إلى الشجرة التي بويع النبي - تحتها أمر بقطعها , خوفًا على الناس من الغلو فيها , والشرك بها , فشكر له المسلمون ذلك , وعدوه من مناقبه رضي الله عنه.
ولو كان إحياؤها , أو زيارتها أمرًا مشروعًا لفعله النبي - في مكة , وبعد الهجرة , أو أمر بذلك , أو فعله أصحابه , أو أرشدوا