ويستنتج الباحث مِمّا تقدّم الآتي:
1.اختلف الفقهاء القدامى حول وقف الكتب التي تعتبر عملًا ابتكاريًّا؛ فأباحها البعض، ومنعها البعض الآخر، وإن كانت بحكم الواقع لا تخرج عن طبيعة الوقف، لأنَّ مؤلِّفها لا ينتفع بها مالِيًّا، لا بيعًا ولا تأجيرًا، ولأنَّ تجارة الكتب لم تكن موجودة في عصورهم. ثمَّ رأينا بعضهم يضع نصّ الوقف داخل كتابه كما فعل لسان الدِّين الخطيب في كتابه «الإحاطة بتاريخ غَرْناطة» والبعض الآخر يقوم بوقف نسخة من كتابه كما فعل ابن خلدون عندما وقف نسخة من كتابه «العبر وديوان المبتدأ والخبر» ووضعها في خزانة جامع القيراون. والبعض الآخر يقف كتبه كُلّها كما فعل مُلاّ علي القاري. أمّا من جهة المدّة الزَّمنيَّة لوقف الكتب فكانت على التّأبيد؛ أقلّه أن يرتبط ذلك بالعُمرِ الافتراضيِّ للورق الذي كتب عليه، أمّا وقف الكتب لمدّة زمنيَّة محدّدة، فلم يكن معروفًا في العصور الماضيَّة رُبّما لفساده في رأي البعض ـ كما هو رأي الجمهور غير المالكيَّة، وربّما لعدم إمكانيّة تطبيقه في تلك العصور؛ لافتقارهم إلى الآليَّة التي تسمح لهم بذلك.
2.يقول جمهور الفقهاء المعاصرين بالقيمة الماليَّة لحقوق الابتكار، وأنّها تندرج ضمن نوعٍ خاصٍّ من الحقوق، وأنَّ أصحابها ـ يملكون حقَّ التَّصرُّف بها بكافة صُوَرِهِ؛ بما فيها التصرّف الذي يقابله عوضٌ ماليٌّ كالبيع والتّأجير أو التصرّف الذي لا يقابله عوض ماليٌّ، كالهبة والوصيَّة. والباحث يرى أنَّ الوقف يندرج ضمن التّصرّف الذي لا يقابله عوضٌ ماليٌّ.
وبناءً عليه: فإنّ الباحث يقول بمشروعيَّة وقف الأعمال الابتكاريَّة (الحقوق الابتكاريَّة) ، سواءً كان ذلك على سبيل التَّأبيد أو التّأقيت. ويشير الدّكتور منذر قحف إلى ذلك بقوله [1] :
ولعلّ من أهمِّ الصُّور الجديدة للحقوق التي يمكن وقفها هو حقُّ استغلال الأملاك المعنويَّة (أي الابتكاريّة) ، ومن أهمها: حقُّ التّأليف وحقُّ الابتكار ... ، ويكون تحبيس حق استغلال الملك المعنويّ بتصريح المؤلِّف أو المبتكر بذلك كما
(1) د. قحف منذر، الوقف الإسلامي، مرجع سابق، ص 183.