فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 129

اللَّهِ هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ بِعِلْمٍ وَصِدْقٍ فَيُخْبِرُ بِالْحَقِّ مُسْتَنِدًا إلَى عِلْمِهِ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فَقَدْ يُخْبِرُ الْإِنْسَانُ بِالْحَقِّ اتِّفَاقًا مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ بِهِ , وَقَدْ يَعْلَمُهُ وَلَا يُخْبِرُ بِهِ ; فَالشَّاهِدُ الْمَقْبُولُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ عَنْ عِلْمٍ ; فَلَوْ كَانَ عِلْمُهُمْ أَنْ يُفْتِيَ أَحَدُهُمْ بِفَتْوَى وَتَكُونُ خَطَأً مُخَالَفَةً لِحُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَا يُفْتِي غَيْرَهُ بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إمَّا مَعَ اشْتِهَارِ فَتْوَى الْأَوَّلِ أَوْ بِدُونِ اشْتِهَارِهَا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْعَدْلُ الْخِيَارُ قَدْ أَطْبَقَتْ عَلَى خِلَافِ الْحَقِّ , بَلْ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ قِسْمًا أَفْتَى بِالْبَاطِلِ وَقِسْمًا سَكَتَ عَنْ الْحَقِّ , وَهَذَا مِنْ الْمُسْتَحِيلِ فَإِنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمْ وَيَخْرُجُ عَنْهُمْ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ قَطْعًا , وَنَحْنُ نَقُولُ لِمَنْ خَالَفَ أَقْوَالَهُمْ: لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إلَيْهِ. الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّ قوله تعالى {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ اجْتَبَاهُمْ , وَالِاجْتِبَاءُ كَالِاصْطِفَاءِ , وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْ"اجْتَبَى الشَّيْءَ يَجْتَبِيه"إذَا ضَمَّهُ إلَيْهِ وَحَازَهُ إلَى نَفْسِهِ , فَهُمْ الْمُجْتَبُونَ الَّذِينَ اجْتَبَاهُمْ اللَّهُ إلَيْهِ وَجَعَلَهُمْ أَهْلَهُ وَخَاصَّتَهُ وَصَفْوَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ , وَلِهَذَا أَمَرَهُمْ تَعَالَى أَنْ يُجَاهِدُوا فِيهِ حَقَّ جِهَادِهِ , فَيَبْذُلُوا لَهُ أَنْفُسَهُمْ , وَيُفْرِدُوهُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ , وَيَخْتَارُوهُ وَحْدَهُ إلَهًا مَعْبُودًا مَحْبُوبًا عَلَى كُلِّ مَا سِوَاهُ كَمَا اخْتَارَهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ , فَيَتَّخِذُونَهُ وَحْدَهُ إلَهَهُمْ وَمَعْبُودَهُمْ الَّذِي يَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ , وَإِرَادَتِهِمْ , فَيُؤْثِرُونَهُ فِي كُلِّ حَالٍ عَلَى مَنْ سِوَاهُ , كَمَا اتَّخَذَهُمْ عَبِيدَهُ , وَأَوْلِيَاءَهُ , وَأَحِبَّاءَهُ وَآثَرَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ , ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ تَعَالَى أَنْ يَسَّرَ عَلَيْهِمْ دِينَهُ غَايَةَ التَّيْسِيرِ , وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ فِيهِ مِنْ حَرَجٍ أَلْبَتَّةَ لِكَمَالِ مَحَبَّتِهِ لَهُمْ وَرَافَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحَنَانِهِ بِهِمْ , ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِلُزُومِ مِلَّةَ إمَامِ الْحُنَفَاءِ أَبِيهِمْ إبْرَاهِيمَ , وَهِيَ إفْرَادُهُ تَعَالَى وَحْدَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالتَّوَكُّلِ وَالْإِنَابَةِ وَالتَّفْوِيضِ وَالِاسْتِسْلَامِ ; فَيَكُونُ تَعَلُّقُ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ بِهِ وَحْدَهُ لَا بِغَيْرِهِ , ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ نَوَّهَ بِهِمْ وَسَمَّاهُمْ كَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَوْجَدَهُمْ اعْتِنَاءً بِهِمْ وَرِفْعَةً لِشَانِهِمْ , وَإِعْلَاءً لِقَدْرِهِمْ , ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُشْهِدَ عَلَيْهِمْ رَسُولُهُ وَيَشْهَدُوا هُمْ عَلَى النَّاسِ ; فَيَكُونُونَ مَشْهُودًا لَهُمْ بِشَهَادَةِ الرَّسُولِ شَاهِدِينَ عَلَى الْأُمَمِ بِقِيَامِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ , فَكَانَ هَذَا التَّنْوِيهُ , وَإِشَارَةُ الذِّكْرِ لِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ وَلِهَاتَيْنِ الْحِكْمَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ , وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُ تَعَالَى فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَحْرِمَهُمْ كُلَّهُمْ الصَّوَابَ فِي مَسْأَلَةٍ فَيُفْتِي فِيهَا بَعْضُهُمْ بِالْخَطَأِ , وَلَا يُفْتِي فِيهَا غَيْرُهُ بِالصَّوَابِ , وَيَظْفَرُ فِيهَا بِالْهُدَى مِنْ بَعْدِهِمْ , وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: قوله تعالى {: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاَللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ الْمُعْتَصِمِينَ بِهِ بِأَنَّهُمْ قَدْ هُدُوا إلَى الْحَقِّ ; فَنَقُولُ: الصَّحَابَةُ رضوان الله عليهم مُعْتَصِمُونَ بِاَللَّهِ فَهُمْ مُهْتَدُونَ , فَاتِّبَاعُهُمْ وَاجِبٌ , أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فَتَقْرِيرُهَا مِنْ وُجُوهٍ , أَحَدُهَا: قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاَللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} وَمَعْلُومٌ كَمَالُ تَوَلِّي اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ وَنَصْرُهُ إيَّاهُمْ أَتَمَّ نُصْرَةٍ , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ اعْتَصِمُوا بِهِ أَتَمَّ اعْتِصَامٍ , فَهُمْ مَهْدِيُّونَ بِشَهَادَةِ الرَّبِّ لَهُمْ بِلَا شَكٍّ , وَاتِّبَاعُ الْمَهْدِيِّ وَاجِبٌ شَرْعًا وَعَقْلًا وَفِطْرَةً بِلَا شَكٍّ , وَمَا يَرِدُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ أَنَّ الْمُتَابَعَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْمُتَابَعَةَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ فَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ.

الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: قوله تعالى عَنْ أَصْحَابِ مُوسَى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَهُمْ أَئِمَّةً يَاتَمُّ بِهِمْ مَنْ بَعْدَهُمْ لِصَبْرِهِمْ وَيَقِينِهِمْ ; إذْ بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ تُنَالُ الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ فَإِنَّ الدَّاعِيَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتِمُّ لَهُ أَمْرُهُ إلَّا بِيَقِينِهِ لِلْحَقِّ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ وَبَصِيرَتِهِ بِهِ وَصَبْرِهِ عَلَى تَنْفِيذِ الدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ بِاحْتِمَالِ مَشَاقِّ الدَّعْوَةِ وَكَفِّ النَّفْسِ عَمَّا يُوهِنُ عَزْمَهُ وَيُضْعِفُ إرَادَتَهُ , فَمَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت