فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 129

نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه , وَهَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي فِي"التَّقْرِيبِ"وَالْغَزَالِيُّ اسْتِنْبَاطًا مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ"أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - أَنَّهُ صَلَّى فِي لَيْلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ , كُلَّ رَكْعَةٍ بِسِتِّ سَجَدَاتٍ , ثُمَّ قَالَ: إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ قُلْت بِهِ , فَإِنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ , فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَعَلَهُ تَوْقِيفًا. هَذَا لَفْظُهُ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا قَالَ قَوْلًا لَيْسَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَدْخَلٌ فَإِنَّهُ لَا يَقُولُهُ إلَّا سَمْعًا وَتَوْقِيفًا وَأَنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ إلَّا عَنْ خَبَرٍ. انْتَهَى. لَكِنَّ الْغَزَالِيَّ جَعَلَهُ مِنْ تَفَارِيعِ الْقَدِيمِ. وَهُوَ مَرْدُودٌ , لِأَنَّ اخْتِلَافُ الْحَدِيثِ مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ قَطْعًا , رَوَاهُ عَنْهُ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بِمِصْرَ , وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِ الْكَامِلِ فِي الْخِلَافِ"وَقَالَ إلْكِيَا فِي التَّلْوِيحِ"إنَّهُ الصَّحِيحُ , وَكَذَا صَاحِبُ الْمَحْصُولِ"فِي بَابِ الْأَخْبَارِ. وَعَلَى هَذَا يَنْزِلُ كُلُّ مَا وَقَعَ فِي الْجَدِيدِ مِنْ التَّصْرِيحِ فِيهِ بِالتَّقْلِيدِ , كَاتِّبَاعِهِ الصِّدِّيقَ فِي عَدَمِ قَتْلِ الرَّاهِبِ , وَتَقْلِيدِهِ عُثْمَانَ فِي الْبَرَاءَةِ , وَعُمَرَ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ. قَالَ فِي الْأُمِّ": إذَا أَصَابَ الرَّجُلُ بِمَكَّةَ حَمَامًا مِنْ حَمَامِهَا فَعَلَيْهِ شَاةٌ , اتِّبَاعًا لِعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ": أَخَذْت بِقَوْلِ عُمَرَ فِي الْيَرْبُوعِ وَالضَّبُعِ حَمَلٌ. وَحَكَى فِي الْقَدِيمِ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الْكَرْخِيِّ , وَاخْتَارَهُ الْبَزْدَوِيُّ وَابْنُ السَّاعَاتِيِّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ حُجَّةٌ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ. نَعَمْ , تَصَرُّفَاتُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ تَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ حُجَّةٌ بِشَرْطَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنْ لَا يَكُونَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَجَالٌ. (الثَّانِي) : أَنْ يَرِدَ فِي مُوَافَقَةِ قَوْلِهِ نَصٌّ , وَإِنْ كَانَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَجَالٌ كَمَا فَعَلَ فِي مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ مُقَلِّدًا زَيْدًا فِيهَا , لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ} قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ": اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَتْبَعَ مَذْهَبَ زَيْدٍ وَلَمْ يَضَعْ لِذَلِكَ كِتَابًا فِي الْفَرَائِضِ لِعِلْمِهِ بِعِلْمِ النَّاسِ بِمَذْهَبِ زَيْدٍ , وَإِنَّمَا نَصَّ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ فِي الْكِتَابِ فَجَمَعَهَا الْمُزَنِيّ وَضَمَّ إلَيْهَا مَذْهَبَ زَيْدٍ فِي الْمَسَائِلِ , وَلَمْ يَقُلْ:"تَحَرَّيْت مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ"كَقَوْلِهِ فِي أَوَاخِرِ كُتُبٍ مَضَتْ , فَإِنَّ التَّحَرِّيَ اجْتِهَادٌ , وَلَا اجْتِهَادَ فِي النَّقْلِ. وَقَدْ تَحَقَّقَ اتِّبَاعُ الشَّافِعِيِّ زَيْدًا , وَتَرَدَّدَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ تَرَدَّدَ قَوْلُ زَيْدٍ , وَقَرَّبَ مَذْهَبَ زَيْدٍ إلَى الْقِيَاسِ أَنَّ جَعْلَ الْأُمَّ دُونَ الْأَبِ فِي النَّصِيبِ , قِيَاسَ مِيرَاثِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. وَكَذَا قَوْلُهُ: أَوْلَادُ الْأَبَوَيْنِ يُشَارِكُونَ وَلَدَ الْأُمِّ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْقَرَابَةِ , وَجَعَلَ الْأَبَوَيْنِ مَانِعَيْنِ الْأُخُوَّةَ فِي رَدِّ الْأُمِّ إلَى السُّدُسِ قِيَاسًا عَلَى جَعْلِ الْبَنِينَ فِي مَعْنَى الْبَنَاتِ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثَيْنِ. وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا أَنَّهُ خَالَفَ الْقِيَاسَ فِي مَسَائِلِ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ , وَالْمُعَادَةِ , وَإِعْطَاءِ الْأُمِّ ثُلُثَ. مَا يَبْقَى , وَلَيْسَ فِيهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا قِيَاسٌ , لِأَنَّا سَوَّيْنَا بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ مَعَ الِابْنِ وَمُشَارَكَةُ أَوْلَادِ الْأُمِّ خَارِجَةٌ عَنْ الْقِيَاسِ , لِأَنَّا نُعْطِي الْعَشَرَةَ مِنْ إخْوَةِ الْأَبَوَيْنِ نِصْفَ السُّدُسِ مَثَلًا , وَنُعْطِي الْأُخْتَ الْوَاحِدَةَ لِلْأُمِّ السُّدُسَ , فَأَيُّ مُرَاعَاةٍ لِاِتِّخَاذِ الْقَرَابَةِ؟ فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ دَلِيلُ التَّقْلِيدِ الْحَدِيثَ السَّابِقَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتْبَعَ عَلِيًّا رضي الله عنه فِي قَضَائِهِ وَمُعَاذًا فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لِقَوْلِهِ: {أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ , وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ} , وَالْجَوَابُ - كَمَا قَالَ - إنَّ الْقَضَاءَ يَتَّسِعُ , وَيَتَعَلَّقُ بِمَا لَا يُسَوِّغُ التَّقْلِيدَ فِيهِ , وَكَذَلِكَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ. قَالَ: وَعِنْدَنَا أَنَّ الْمَذْهَبَ لَا يَسْتَقِلُّ بِتَقْلِيدِ زَيْدٍ: وَمَا انْتَحَلَ مَذْهَبُهُ إلَّا عَنْ أَصْلٍ يَجُوزُ فِيهِ الرَّايُ , وَلِهَذَا خَالَفَ الصَّحَابَةُ. وَالشَّافِعِيُّ لَمْ يَخْلُ بِمَسْأَلَةٍ عَنْ احْتِجَاجٍ , وَإِنَّمَا اعْتَصَمَ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَرْجِيحًا وَبِهَذَا تَبَيَّنَ. انْتَهَى. وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ. وَأَمَّا ابْنُ الرِّفْعَةِ فَقَالَ: الظَّاهِرُ أَنَّ اخْتِيَارَ الشَّافِعِيِّ لِمَذْهَبِ زَيْدٍ اخْتِيَارُ تَقْلِيدٍ , كَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ لَفْظِ الْأُمِّ"إذْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقُلْنَا إذَا وَرِثَ الْجَدُّ مَعَ الْإِخْوَةِ قَاسَمَهُمْ مَا كَانَتْ الْمُقَاسَمَةُ خَيْرًا لَهُ مِنْ الثُّلُثِ , فَإِذَا كَانَ الثُّلُثُ خَيْرًا لَهُ مِنْهَا أُعْطِيَهُ. وَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , وَعَنْهُ قَبْلَنَا أَكْثَرَ الْفَرَائِضِ وَهِيَ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا وَلَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت