الصفحة 132 من 141

والتصرُّفُ في مُلكِهِ إنما يجوزُ إذا كانَ على وجه الحِكمة، وأما على خِلاف الحِكمة يكون سَفَهًَا، فثبتَ أن أهلَ الجنَّة في الجنَّة خالدونَ، وأهلَ النَّار في النَّار خالدون، كما قال الله تعالى في حقِّ أهل الجنة: ?أُوْلئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ? [البقرة: 82] ، وفي حقِّ أهل النار: ?أُوْلئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ? [البقرة: 39] .

ذكر الشيخُ أبو منصورٍ الماتريديُّ رحمه الله في «التوحيد» (1) في الفرق بين الكفرِ وما دونه من الذنوب في جوازِ العَفْوِ عمَّا دونَ الكفرِ وامتناعِه فيه: أنَّ الكفرَ مذهبٌ يُعتَقَدُ، والمذاهبُ تُعتقدُ للأبد، فعلى ذلك عقوبتُه. وسائرُ الكبائر لا تُفعَلُ للأبد، بل (2) في أوقاتِ غلبةِ الشهواتِ، فعلى ذلك عقوبتُها. ولأن الكفرَ قبيحٌ لعينه لا يحتمل الإطلاقَ ورَفْعَ الحرمة عنه، فعلى ذلك عقوبتُه لا تحتملُ الارتفاعَ والعفوَ عنه في الحكمة، وسائر المآثِمِ يجوزُ رفعُ الحرمة عنها في العقل، فكذا عقوبتُه، ولأن العفوَ عن الكافر [عفوٌ] في غير موضع العفو، لأنه يُنكِرُ المُنعِمَ ويرى ذلك حقًَّا، ولا كذلك سائرُ المآثم فصاحبُها يعرِفُ المُنعِمَ والعفوَ، فيجوزُ العفوُ عنه في الحكمة.

(1) انظر ص362 منه، وما ستراه بين حاصرتين مستدرك منه

(2) تحرَّف في (ص) و (ج) إلى: «لا تفعل إلا بدليل في» ، والمثبت من (ف) و (ب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت