فهرس الكتاب

الصفحة 7777 من 12961

يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانوا أُوْلِي قربى [التوبة: 113] ولقوله - عزَّ وجلَّ - في سورة الممتحنة {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ} إلى قوله: {إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} [الممتحنة: 4] .

والجوابُ: أن الآية تدلُّ على أنَّه لا يجوزُ لنا التأَّسِّي به في ذلك؛ لكنَّ المنع من التَّأسِّي به في ذلك لا يدلُّ على أنَّ ذلك كان معصيةٌ؛ فإن كثيرًا من الأشياء هي من خواصِّ رسُول الله - صلوات الله عليه وسلامه - ولا يجُوزُ لنا التَّأسِّي به فيها، مع أنَّها كانت مباحةٌ له.

وأيضًا: لعلَّ هذا الاستغفار كان من باب ترك الأولى، وحسناتُ الأبْرارِ سيِّئاتُ المقرَّبينَ.

قوله: {اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} .

قال مقاتلٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ: كان اعتزالُه إيَّاهُمْ أنَّه فارقهُم من «كوثى» ، فهاجر منها إلى الأرض المقدسة، والاعتزالُ عن الشيء هو التَّباعدُ عنه، «وأدعُو ربِّي» أعبد ربي الذي يَضُرُّ وينفعُ، والذي خلقني، وأنعم عليَّ {رَبِّي عسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّا} ، أي: عسى ألاَّ أشْقَى بدُعائه وعبادته؛ كما تشقون أنتمُ بعبادةِ الأصنام، ذكر ذلك على سبيل التواضُع؛ كقوله تعالى: {والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين} [الشعراء: 82] .

وقوله: «شَقِيَّا» فيه تعريضٌ لشقاوتهم في دعاء آلهِتْهمْ.

وقيل: عسى أن يجيبني، إن دعوتُه.

قوله تعالى: {فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} .

ذهب مهاجرًا إلى ربِّه، فعوَّضه أولادًا أنبياء بعد هجرته، ولا حالة في الدِّين والدُّنيا للبشر أرفعُ من أن يجعله الله رسولًا إلى خلقه، ويُلزم الخلق طاعتهُ، والانقياد لهُ مع ما يحصلُ له من عظيم المنزلةِ في الآخرةِ.

قوله تعالى: {وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا} : «كُلاَّ» مفعولٌ مقدَّم هو الأول، و «نبيَّا» هو الثاني.

ثم إنَّه مع ذلك وهب لهم من رحمته، قال الكلبيُّ: المال والولد، وهو قول الأكثرين، قالوا: هو ما بسط لهم في الدَّنيا من سعة الرِّزق.

وقيل: الكتاب والنبوَّة. {وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} :

يعني: ثناءٌ حسنًا رفيعًا في كُلِّ أهل الأديان، وعبَّر باللسان عما يُوجد باللِّسان، منا عُبِّر باليد عمَّا يوجدُ باليدِ، وهو العطيَّة، فاستجاب الله دعوته في قوله: {واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين} [الشعراء: 84] ، فصيَّره قُدوةً، حتى ادَّعاه أعلُ الأديان كلهم. فقال سبحانه وتعالى: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت