اعلم أنه سبحانه لما أقام الدلائل القاطعة على إثبات الصّانع، وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدلّ على النبوة، ولما كانت نبوة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مبنية على كون القرآن معجزًا أقام الدلالة على كونه معجزًا. واعلم أن كونه معجزًا يمكن بيانه من طريقين:
الأول: ألا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة:
إما أن يكون مساويًا لكلام الفصحاء، أو زائدًا على كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة، أو زائدًا عليه بقدر ينقض العادة، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث.
وإنما قلنا: إنهما باطلان؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يأتوا [بمثل سورة منه] إما مجتمعين، أو منفردين، فإذا وقع التَّنَازع، فالشهود والحكام مزيلون الشبهة وذلك نهاية الاحتجاج؛ لنه كان من معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية، وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا المهالك والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق، فكيف الباطل، وكل ذلك