فهرس الكتاب

الصفحة 7761 من 12961

والمعنى: أن ثبوت الولد له محالٌ، فقوله: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} كقولنا: ما كان للهِ أن يكون له ثانٍ وشريكٌ، أي: لا يصحُّ ذلك، ولا ينبغي، بل يستحيلُ؛ فلا يكونُ نفيًا على الحقيقةِ، وإن كان بصُورة النَّفِي.

وقيل: اللاَّم منقولةٌ، أي: ما كان من ولدٍ، والمرادُ: ما كان الله أن يقُول لأحدٍ، إنَّه ولدي؛ لأنَّ مثل [هذا] الخبر كذبٌ، والكذبُ لا يليقُ بحكمةِ الله تعالى وكماله، فقوله: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} كقولنا: ما كان لله أن يظلم، أي: لا يلِيقُ بحكمته، وكمالِ إلهِيَّتِهِ.

قوله تعالى: {إِذَا قضى أَمْرًا} إذا أراد أن يحدث أمْرًا، {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} ، وهذا كالحُجَّة على تَنْزيهه عن الولدِ، وبيانهُ: أن الَّذي يجعلُ للهِ ولدًا، إما أن يكون الولدُ قديمًا أزليَّا، فهو محالٌ؛ لأنَّه [لو كان واجبًا لذاته، لكان واجبُ الوجودِ أكثر من واحدٍ،] ولو كان [مُمْكِنًا] لذاته، لافتقر في وجوده إلى الواجب لذاته؛ لأنَّ الواجب لذاته غنيٌّ لذاته، فلو كان مفتقرًا في وجودِهِ إلى الواجِبِ لذاتِه، كان ممكنًا لذاته، والممكنُ لذاته محتاجٌ لذاته، فيكُون عبدًا له؛ لأنَّهُ لا معنى للعبُوديَّة إلاَّ ذلك.

وإن كان الولدُ مُحْدَثًا، فيكون وجوده بعد عدمه بخلق ذلك القديم، وإيجاده، وهو المرادُ من قوله تعالى: {إِذَا قضى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} .

فيكونُ عَبْدًا، لا ولدًا؛ فثبت أنه يستحيلُ أن يكون لله ولدٌ.

فصل في قدم كلام الله تعالى

دلَّت هذه الآية على قدم كلام الله تعالى؛ لأنَّه إذا أراد إحداث شيءٍ، قال له: {كُن فَيَكُونُ} فلو كان بقوله: «كُنْ» مُحْدَثًا، لافتقر حدوثُه إلى قولٍ آخر، ولزمَ التَّسَلْسُل؛ وهو محال؛ فثبت أنَّ قول الله تعالى، قديمٌ، لا مُحْدَث.

واحتج المعتزلةُ بالآية على حُدُوثِ كلامِ الله تعالى من وجوه:

أحدها: أنه تعالى أدخل كلمة «إذَا» وهي دالَّة على الاستقبال؛ فوجب ألاَّ يحصُلَ ذلك القولُ إلاَّ في الاستقبال.

ثانيها: أنَّ «الفاء» للتعقيب، و «الفاءُ» في قوله: «فإنَّمَا يَقُولُ» يدلُّ على تأخير ذلك القول عن ذلك القضاء والمتأخِّر عن غيره مُحدثٌ.

وثالثها: «الفاءُ» في قوله «فَيَكُونُ» يدلُّ على حصول ذلك الشيء عقيب ذلك القول من غير فصلٍ، فيكون قولُ اللهِ تعالى متقدِّمًَّا على حُدُوث الحادث تقديمًا بلا فَصْلٍ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت