أي: وليملل الديَّان الكاتب ما عليه من الحقِّ، فحذف المفعولين للعلم بهما.
ويتعدَّى ب «عَلَى» إلى أحدهما فيقال: أمللت عليه كذا، ومنه الآية الكريمة.
فصل
اعلم أنَّ الكتابة، وإن وجب أن يختار لها العالم بكيفية كتب الشُّروط والسِّجلات، لكن ذلك لا يتمّ إلاَّ بإملاء من عليه الحق؛ فيدخل في جملة إملائه اعترافه بالحقّ في قدره، وجنسه وصفته، وأجله، وغير ذلك.
ثم قال: {وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ} بأن يقرّ بمبلغ المال، {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} ، أي: لا ينقص منه شيئًا.
قوله: {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} يجوز في «منه» وجهان:
أحدهما: أن يكون متعلقًا بيبخس، و «مِنْ» لابتداء الغاية، والضمير في «منه» للحقِّ.
والثاني: أنَّها متعلقة بمحذوف؛ لأنها في الأصل صفةٌ للنكرة، فلمَّا قُدِّمت على النكرة نصبت حالًا.
و «شَيئًا» : إمَّا مفعول به، وإمَّا مصدرٌ.
والبخس: النَّقص، يقال منه، بخس زيدٌ عمرًا حقَّه يبخسه بخسًا، وأصله من: بخست عينه، فاستعير منه بَخْسُ الحق، كما قالوا: «عَوَرْتُ حَقَّه» استعارة من عور العين. ويقال: بخصه بالصَّاد. والتباخس في البيع: التناقص، لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتبايعين ينقص الآخر حقَّه.
قوله: {فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ} إدخال حرف «أو» بين هذه الألفاظ الثلاثة يقتضي تغايرها؛ لأنَّ معناه: أنَّ الذي عليه الحقّ كان متَّصفًا بإحدى هذه الصِّفات الثلاثة {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل} وإذا ثبت تغايرها وجب حمل السَّفيه على الضعيف الرَّأي النَّاقص العقل من البالغين الذين لا يحسنون الأخذ لأنفسهم، ولا الإعطاء منها أخذًا من الثَّوب السَّفيه وهو خفيف النَّسج، والبذيء اللسان يسمى سفيهًا، لأنَّه لا يكاد أن تتفق البذاءة إلاَّ في جهَّال النَّاس، وأصحاب العقول الخفيفة، والعرب تسمي الضعيف العقل سفيهًا؛ قال الشاعر: [السريع]
1280 - نَخَافُ أَنْ تَسْفَهَ أَحْلاَمُنَا ... وَيَجْهَل الدَّهْرُ مَعَ الحَالِمِ
والضَّعيف على الصَّغير، والمجنون، والشَّيخ الخرف وهو الذين فقدوا العقل