وكرَّم ومجَّد وبجَّل، وعظَّم: ما كنت جديرًا بذلك يا عمر، فقام رجالٌ، فاعترفوا بمثله، فنزل قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ} .
فصل ذهب جمهور المفسِّرين أنَّه كان في أوَّل شرعنا، إذا أفطر الصَّائم، حلَّ له الأكل والشُّرب والجماع، ما لم ينم أو يُصَلِّ العشاء الآخرة، فإذا فعل أحدهما، حرم عليه هذه الأشياء، ثم إنَّ الله تعالى، نسخ ذلك بهذه الآية الكريمة.
وقال أبو مسلم: هذه الحرمة ما كانت ثابتةً في شرعنا ألبتَّة، بل كانت ثابتةً في شرع النصارى، فنسخ الله تعالى بهذه الآية ما كان ثابتًا في شرعهم.
واحتجَّ الجمهور بوجوه:
أحدها: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] يقتضي تشبيه صومنا بصومهم، وقد كانت هذه الحرمة ثابتةً في صومهم؛ فوجب أن يكون التشبيه ثابتًا في صومنا، لقصد أن يكون منسوخًا بهذه الآية الكريمة.
الثانيك قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ} ولو كان هذا الحلُّ ثابتًا لهذه الأُمَّة من أول الأمر، لم يكن لقوله: «أُحِلَ لَكُمْ» فائدةٌ.
الثالث: قوله سبحانه: {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} ولو كان ذلك حلالًا لهم، لما احتاجوا إلى أن يختانوا أنفسهم.
الرابع: قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} [وَلَوْلاَ أنَّ ذَلِكَ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ أَقْدَمُوا على المعصِيَةِ؛ بِسَبَبِ الإقْدام على ذلك الفعل، لما صحَّ قوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} ] .
الخامس: قوله تعالى: «فالآنَ بَاشِرُهُنَّ» ولو كان الحلُّ ثابتًا قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله تعالى: «فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ» فائدةٌ.
السادس: ما رويناه في سبب النُّزُول.