( حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ: بِاللَّيْلِ ، قَالَ مِيرَكُ: هَكَذَا أَوْرَدَ المص فِي هَذَا الْكِتَابِ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ بِزَمَانٍ لَكِنْ أَوْرَدَهُ فِي جَامِعِهِ فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ فِي بَابِ الْقِرَاءَةِ فِي اللَّيْلِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ بِلَفْظِ سَأَلْتُ عَائِشَةَ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ ( كَانَ ) وَزَادَ فِي نُسْخَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: أَكَانَ ( يُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ ) أَيْ: يُخْفِيهَا ( أَمْ يَجْهَرُ ) قَالَ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ: أَسَّرَ الْحَدِيثَ أَخْفَاهُ ، وَقَوْلُهُ يُسِرُّهُمَا يَعْنِي الْإِعَادَةَ ، وَالتَّسْمِيَةَ وَأَمَّا يُسِرُ بِهِمَا بِزِيَادَةِ الْبَاءِ ، فَهُوَ سَهْوٌ ، وَقَالَ مِيرَكُ: وَكَأَنَّ زِيَادَةَ الْبَاءِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَقَعَتْ سَهْوًا مِنَ النُّسَّاخِ أَوْ يُقَالُ قَائِلُهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَاغَةِ انْتَهَى .
وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ الْحَفَاوَةِ ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: فَعَلَى هَذَا يُشْكَلُ الْكَلَامُ ، قَالَ الْعِصَامُ: وَلَا يُشْكَلُ ; فَإِنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى فِي أَيِ: الصَّوْتُ فِي وَقْتِ الْقِرَاءَةِ ، انْتَهَى .
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُقَدَّرُ مَفْعُولٌ بِهِ ، وَهُوَ فِي غَايَةِ النِّظَامِ فِي مَقَامِ الْمَرَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُضَمَّنَ مَعْنَى الْمُخَافَتَةِ ; فَإِنَّهَا تَتَعَدَّى بِالْبَاءِ ثُمَّ الصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِرَاءَةِ مَا عَدَا التَّعَوُّذَ ، وَالتَّسْمِيَةَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى إِخْفَاءِ الْأَوَّلِ ، وَلِتَرْكِ الثَّانِي عِنْدَ مَالِكٍ ، وَإِخْفَائِهِ عِنْدَنَا حَتَّى يُلَائِمَ حِينَئِذٍ ( قَالَتْ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يُفْعَلُ ) الرِّوَايَةُ الْمُؤَيَّدَةُ بِالنُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ ، وَالْأُصُولِ الْمُعْتَبَرَةِ عَلَى الرَّفْعِ فِي كُلِّ ذَلِكَ ، قِيلَ: وَالْأَظْهَرُ النَّصْبُ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إِلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُتْرَكُ بِمِثْلِ أَمْرٍ تَحْسِينِيٍّ لَا غَيْرَ ، انْتَهَى ، وَفِيهِ أَنَّ الْقَائِلَ مَا أَرَادَ رَدَّ الرِّوَايَةِبَلْ ذَكَرَ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ النَّصْبُ لَكَانَ أَظْهَرَ أَوْ أَشَارَ إِلَى تَجْوِيزِهِ أَيْضًا .
( رُبَّمَا أَسَرَّ وَرُبَّمَا جَهَرَ ) أَيْ: فِي لَيْلَةٍ أَوْ لَيْلَتَيْنِ ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى الِاسْتِوَاءِ ، وَإِشْعَارٌ بِتَفْصِيلِ مَا أَجْمَلَ قَبْلَهُ فَيَجُوزُ كُلٌّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَقْوَى هُوَ الْجَهْرُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِشْغَالِ النَّفْسِ وَاسْتِكْمَالِ السَّمَاعِ وَالنَّشَاطِ فِي الْعِبَادَةِ ، وَإِيقَاظِ بَعْضِ أَهْلِ الْغَفْلَةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ خَارِجَ الصَّلَاةِ ، وَرَجَّحَ كُلًّا طَائِفَةٌ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَا كَانَ أَوْفَقَ لِلْخُشُوعِ ، وَأَبْعَدَ عَنِ الرِّيَاءِ هُوَ الْأَفْضَلُ .
( قُلْتُ ) وَفِي نُسْخَةٍ فَقُلْتُ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً ) بِفَتْحِ السِّينِ أَيِ: اتِّسَاعًا فَفِي الْقَامُوسِ وَسِعَهُ سَعَةً كَدَعَةٍ وِدِيَةٍ ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّفْسَ قَدْ تَنْشَطُ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَلَوْ ضُيِّقَ عَلَيْهَا بِتَعْيِينِ أَحَدِهِمَا ، فَرُبَّمَا لَمْ تَنْشَطْ وَتُتْرَكُ فَتُحْرَمُ هَذَا الْخَيْرَ الْكَثِيرَ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أَيْ: سَبِيلًا وَسَطًا بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ ، فَإِنَّ الِاقْتِصَادَ مَطْلُوبٌ وَفِي جَمِيعِ الْأُمُورِ مَحْبُوبٌ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ [ ص: 141 ] عَنْهُ كَانَ يَخْفِتُ وَيَقُولُ أُنَاجِي رَبِّي قَدْ عَلِمَ حَاجَتِي ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَجْهَرُ ، وَيَقُولُ: أَطْرُدُ الشَّيْطَانَ ، وَأُوقِظُ الْوَسْنَانَ فَلَمَّا نَزَلَتْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَرْفَعَ قَلِيلًا وَعُمَرَ أَنْ يُخْفِضَ قَلِيلًا ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ كُلِّهَا ، وَلَا تُخَافِتْ بِهَا بِأَسْرِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا بِالْإِخْفَاءِ تَارَةً وَبِالْجَهْرِ أُخْرَى .