فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 425

وَفِي نُسْخَةٍ:"أَكْلِ النَّبِيِّ" ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) الْأَكْلُ إِدْخَالُ غَيْرِ الْمَائِعِ مِنَ الْفَمِ إِلَى الْمَعِدَةِ ، وَالشُّرْبُ إِدْخَالُ الْمَائِعِ مِنْهُ إِلَيْهَا .

( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَعْدِ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَفِي نُسْخَةٍ:"سَعِيدِ"، وَهُوَ سَهْوٌ قَالَهُ مِيرَكُ ( بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ) قَالَ مِيرَكُ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ ، وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالشَّكِّ عَبْدُ اللَّهِ أَوْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَهُمَا ثِقَتَانِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَيُقَالُ لِعَبْدِ اللَّهِ رُؤْيَةٌ وَمَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ ، وَيُقَالُ: وُلِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، ( عَنْ أَبِيهِ ) أَيْ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ الْأَنْصَارِيِّ السَّلَمِيِّ بِفَتْحِ السِّينِ الْمَدَنِيِّ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ [ ص: 232 ] وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ يَلْعَقُ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ يَلْحَسُ ( أَصَابِعَهُ ) أَيْ بَعْدَ الْفَرَاغِلَا فِي الْأَثْنَاءِ .

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَيُسَنُّ قَبْلَ الْمَسْحِ أَوِ الْغَسْلِ ، وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْأَكْلِ لَعْقُهَا ; لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا ، مُحَافَظَةً عَلَى الْبَرَكَةِ ، وَتَنْظِيفًا لَهَا ، لَا فِي أَثْنَاءِ الْأَكْلِ ; لِأَنَّ فِيهِ تَقْذِيرَ الطَّعَامِ ، وَفِي رِوَايَةٍ يَلْعَقُ أَوْ يُلْعِقُ أَيْ يُلْعِقُهَا غَيْرَهُ ، فَيَنْبَغِي لِمَنْ يَتَبَرَّكُ بِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَ مَنْ لَا يَتَقَذَّرُهُ ، مِنْ نَحْوِ وَلَدٍ وَخَادِمٍ ، وَزَوْجَةٍ يُحِبُّونَهُ وَيَتَلَذَّذُونَ بِذَلِكَ مِنْهُ ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ بَرَكَةً ، لِحَدِيثِ:"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامَهُ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيَّتِهِنَّ الْبَرَكَةُ"، أَيْ لَا يَعْلَمُ الْبَرَكَةَ فِي أَيِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ، فَلَيْسَ فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ، خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِيهِ وَقَدَّرَهُ بِمَا يَنْبُو عَنْهُ اللَّفْظُ .

قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ، وَالتَّقْدِيرُ فِي أَيِّ طَعَامِهِنَّ الْبَرَكَةُ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَحَلَّ الْبَرَكَةِ الطَّعَامُ ، لَا مُجَرَّدُ الْإِصْبَعِ ، فَتَأَمَّلْ ( ثَلَاثًا ) قَالَ الْحَنَفِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ ثَلَاثًا قَيْدُ اللَّعْقِ ، أَيْ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ ثَلَاثَ لَعَقَاتٍ ، بِأَنْ يَلْعَقَ كُلًّا مِنْ أَصَابِعِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، مُبَالَغَةًفِي التَّنْظِيفِ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا الظَّاهِرُ ; لِأَنَّ جَعْلَهُ لِلْأَصَابِعِ بَعِيدٌ ، وَإِنْ كَانَ تُلَائِمُهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ كَانَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ ، وَقَالَ: يُؤْخَذُ مِنْهُ تَثْلِيثُ اللَّعْقِ فِي ثَلَاثِ أَصَابِعَ ، كَمَا بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ ، وَإِنَّ اللَّعْقَ ثَلَاثٌ لِكُلٍّ مِنْ تِلْكَ الثَّلَاثِ ، كَمَا بَيَّنَتْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ ، وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الرِّوَايَتَانِ مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ لِلْأُولَى عَنْ ظَاهِرِهَا انْتَهَى .

وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ مِيرَكُ ، مِنْ أَنَّ التَّقْدِيرَ ثَلَاثًا مِنَ الْأَصَابِعِ ، لِيُوَافِقَ رِوَايَةَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ ، وَمَنْ جَعَلَهُ قَيْدًا لِيَلْعَقَ ، وَزَعَمَ أَنَّ مَعْنَاهُ يَلْعَقُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ أَصَابِعِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَقَدْ أَبْعَدَ الْمَرَامَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ التَّصْرِيحُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعِقَ أَصَابِعَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِلَعْقِ أَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الطُّرُقِ ، فَيَنْبَغِي حَمْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَيْهَا جَرْيًا عَلَى قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَالْمُجْمَلِ عَلَى الْمُبَيِّنِ ، لَا سِيَّمَا مَعَ اتِّحَادِ الرَّاوِي ، وَهُوَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، كَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ ، كَانَ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ وَيَلْعَقُهُنَّ . فَكَانَتْ رِوَايَتُهُ مُفَسِّرَةً لِرِوَايَتِهِ الْأُولَى .

قُلْتُ: فِيهِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ ، كَمَا سَيَأْتِي بِهِ تَصْرِيحًا وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُتَكَبِّرَ يَأْكُلُ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ ، وَالْحَرِيصَ يَأْكُلُ بِالْخَمْسِ ، وَيَدْفَعُ بِالرَّاحَةِ ، وَأَشْرَفُ مَا يَكُونُ الْأَكْلُ بِالْأَصَابِعِ الثَّلَاثِ وَلَعْقِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ [ ص: 233 ] وَمَا لَعِقَهَا ثَلَاثًا ، مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَعَارَفٍ ، فَفِيهِ شَائِبَةٌ مِنَ الشَّرَهِ وَالْخِسَّةِ ، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَلَامِ مِيرَكَ مَا فِي الْأَصْلِ ( قَالَ أَبُو عِيسَى ) يَعْنِي الْمُصَنِّفَ ( وَرَوَى غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ هَذَا الْحَدِيثَ ، قَالَ: كَانَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ ) أَيِ الْإِبْهَامَ وَالْمُسَبِّحَةَ وَالْوُسْطَى .

قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَقَعَ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ: صِفَةُ لَعْقِ الْأَصَابِعِ وَلَفْظُهُ ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ: الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا وَالْوُسْطَى ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا ، الْوُسْطَى ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا ثُمَّ الْإِبْهَامَ ، وَكَأَنَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ الْوُسْطَى أَكْثَرُ تَلْوِيثًا ; لِأَنَّهَا أَطْوَلُ فَيَبْقَى مِنَ الطَّعَامِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا ; وَلِأَنَّهَا لِطُولِهَا أَوَّلُ مَا يَقَعُ فِي الطَّعَامِ ، أَوْ لِأَنَّ الَّذِي يَلْعَقُ الْأَصَابِعَ يَكُونُ بَطْنُ كَفِّهِ إِلَى جِهَةِ وَجْهِهِ ، فَإِذَا ابْتَدَأَ بِالْوُسْطَى انْتَقَلَ إِلَى السَّبَّابَةِ ، إِلَى جِهَةِ يَمِينِهِ ، ثُمَّ إِلَى الْإِبْهَامِ كَذَلِكَ .

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: جَاءَتْ عِلَّةُ لَعْقِ الْأَصَابِعِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ ، وَقَدْ يُعَلَّلُ بِأَنَّمَسْحَهَا قَبْلَ لَعْقِهَا فِيهِ زِيَادَةُ تَلْوِيثٍ ، لِمَا يَمْسَحُ بِهِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالرِّيقِ ، لَكِنْ إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ انْتَهَى .

وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ تَعْلِيلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا: مَنْقُولٌ وَالْآخَرُ مَعْقُولٌ ، ثُمَّ الْحَدِيثُ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَلَفْظُهُ:"إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ مَا أَصَابَهَا مِنْ أَذًى ، وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَمْسَحَ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ".

وَزَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَا يَرْفَعُ الصَّحْفَةَ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ بِلَفْظِ:"فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ يُبَارَكُ لَهُ".

وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ، كَذَا ذَكَرَهُ مِيرَكُ ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْعَسْقَلَانِيَّ قَالَ: وَالْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ لَا تَمْنَعُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، فَقَدْ يَكُونُ لِلْحُكْمِ عِلَّتَانِ فَأَكْثَرُ ، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى وَاحِدَةٍ لَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ ، وَقَدْ أَبْدَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عِلَّةً أُخْرَى ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ لِئَلَّا يُتَهَاوَنَ بِقَلِيلِ الطَّعَامِ .

قُلْتُ: يُمْكِنُ أَنْ تُسْتَفَادَ هَذِهِ الْعِلَّةُ مِنَ التَّعْلِيلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْقَلِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَحَلَّ الْبَرَكَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاضِيَ يُرِيدُ أَنْ لَا يُتَهَاوَنَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ احْتِمَالِ كَوْنِهَا مَحَلَّ الْبَرَكَةِ الْكَثِيرَةِ .

قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ: فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ ، أَنَّ لِلطَّعَامِ الَّذِي يَحْضُرُ الْإِنْسَانَ فِيهِ بَرَكَةٌ لَا يَدْرِي أَنَّ تِلْكَ الْبَرَكَةَ فِيمَا أَكَلَ ، أَوْ فِيمَا بَقِيَ عَلَى أَصَابِعِهِ ، أَوْ فِيمَا بَقِيَ بِأَسْفَلِ الْقَصْعَةِ ، أَوْ فِي اللُّقْمَةِ السَّاقِطَةِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافِظَ عَلَى هَذَا كُلِّهِ ; لِتَحْصِيلِ الْبَرَكَةِ ، قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ وَقَعَ لِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ .

إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ ، فَلْيُمِطْ بِهَا مَا كَانَ مِنْ أَذًى ، ثُمَّ لْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعَهَا لِلشَّيْطَانِ .

وَلَهُ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثٍ حَسَنٍ ، وَأَمَرَ بِأَنْ يَسْلِتَ الْقَصْعَةَ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: السَّلْتُ تَتَبُّعُ مَا يَبْقَى فِيهَا مِنَ الطَّعَامِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْبَرَكَةِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّغْذِيَةُ ، وَتَسْلَمُ عَاقِبَتُهُ مِنَ الْأَذَى ، وَيَقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ ، وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ لَعْقَ الْأَصَابِعِ [ ص: 234 ] اسْتِقْذَارًا .

نَعَمْ . يَحْصُلُ ذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ فِي أَثْنَاءِ الْأَكْلِ ; لِأَنَّهُ يُعِيدُ أَصَابِعَهُ فِي الطَّعَامِ ، وَعَلَيْهَا أَثَرُ رِيقِهِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: عَابَ قَوْمٌ أَفْسَدَ عَقْلَهُمُ التَّرَفُّهُ ، أَنَّ لَعْقَ الْأَصَابِعِ مُسْتَقْبَحٌ ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي عَلِقَ بِالْأَصَابِعِ أَوِ الصَّحْفَةِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ مَا أَكَلُوهُ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ سَائِرُ أَجْزَائِهِ مُسْتَقْذَرًا ، لَمْ يَكُنِ الْجُزْءُ الْبَاقِي مِنْهُ مُسْتَقْذَرًا ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ مَصِّهِ أَصَابِعَهُ بِبَطْنِ شَفَتَيْهِ ، وَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، فَقَدْ يَتَمَضْمَضُ الْإِنْسَانُ فَيُدْخِلُ إِصْبَعَهُ فِي فِيهِ فَيُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ وَبَاطِنَ فِيهِ ، ثُمَّ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ ذَلِكَ قَذَارَةٌ ، أَوْ سُوءُ أَدَبٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنِ اسْتَقْذَرَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا مَعَ نِسْبَتِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَّا خُشِيَ عَلَيْهِالْكُفْرُ إِذْ مَنِ اسْتَقْذَرَ شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَرَ ، وَيُسَنُّ لَعْقُ الْإِنَاءِ لِخَبَرِ أَحْمَدَ وَالْمُصَنِّفِ ، وَابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ شَاهِينَ ، وَالدَّارِمِيِّ وَغَيْرِهِمْ:"مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ ثُمَّ لَحَسَهَا اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ".

وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ:"مَنْ أَكَلَ مَا يَسْقُطُ مِنَ الْخِوَانِ أَوِ الْقَصْعَةِ أَمِنَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ ، وَصُرِفَ عَنْ وَلَدِهِ الْحُمْقُ".

وَلِلدَّيْلَمِيِّ:"مَنْ أَكَلَ مَا يَسْقُطُ مِنَ الْمَائِدَةِ خَرَجَ وَلَدُهُ صِبَاحَ الْوُجُوِهِ ، وَنُفِيَ عَنْهُ الْفَقْرُ"، وَأَوْرَدَهُ فِي الْإِحْيَاءِ بِلَفْظِ عَاشَ فِي سَعَةٍ ، وَعُوفِيَ فِي وَلَدِهِ ، وَالثَّلَاثَةُ مَنَاكِيرٌ ، قُلْتُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ ، مَنْ لَعِقَ الصَّحْفَةَ ، وَلَعِقَ أَصَابِعَهُ أَشْبَعَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ الْعِرْبَاضِ ، وَالْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ جَائِزٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْكَمَالِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت