فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 425

تَطَوُّعًا كَمَا قَالَ مِيرَكُ: نَظَرًا إِلَى أَكْثَرِ مَا وَرَدَ أَوْ إِلَى أَصَالَتِهِ فِي عُنْوَانِ الْبَابِ أَوْ فَرْضًا ، وَنَفْلًا كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ إِلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ نَفْلًا أَوْ فَرْضًا ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ تَبَعًا ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّوْمُ بِالْفَتْحِ وَالصِّيَامُ [ ص: 116 ] بِالْكَسْرِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ إِلَّا أَنَّ أَصْلَ الصِّيَامِ صِوَامٌ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِكَسْرَةِ مَا قَبْلَهَا كَالْقِيَامِ .

( حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ) بِتَحْتِيَّةٍ ( حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ) وَفِي نُسْخَةٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ( عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ) وَفِي نُسْخَةٍ عَنْ صِيَامِ النَّبِيِّ ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ كَانَ ) أَيْ: أَحْيَانًا ( يَصُومُ ) أَيْ: صِيَامًا مُتَتَابِعًا فِي النَّفْلِ ( حَتَّى نَقُولَ ) أَيْ: نَحْنُ فِي أَنْفُسِنَا أَوِ الْقَوْلُ بِمَعْنَى الظَّنِّ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَرِدُ بِمَعْنَى سَائِرِ الْأَفْعَالِ أَيْ: حَتَّى نَظُنَّ ( قَدْ صَامَ ) أَيْ: جَمِيعَ الشَّهْرِ ، وَالْأَيَّامَ أَوْ دَاوَمَ عَلَى الصِّيَامِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَدْ صَامَ قَالَ مِيرَكُ: وَالرِّوَايَةُ بِالنُّونِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقِ أَيْ: تَقُولُ أَيُّهَا السَّامِعُ لَوْ أَبْصَرْتَهُ ، وَيَجُوزُ بِيَاءِ الْغَائِبِ أَيْ: يَقُولُ الْقَائِلُ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا وَاللَّهِ لَا يُفْطِرُ ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا وَاللَّهِ لَا يَصُومُ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ( حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ ) بِالرَّفْعِ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ انْتَهَى مَا كَتَبَهُ فِي الْهَامِشِ .

لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِهِ: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ الْفَصِيحَةُ بِنَصْبِ يَقُولُ ، وَبَعْضُهُمْ جَوَّزَ الرَّفْعَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ رِوَايَةً وَدِرَايَةً انْتَهَى .

وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَتَّى لِلْغَايَةِ يَجُوزُ رَفْعُ مَدْخُولِهَا بِحَسْبِ الدِّرَايَةِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ الرِّوَايَةِ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْهِدَايَةِ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ ( وَيُفْطِرُ ) أَيْ: وَكَانَ أَحْيَانًا يُفْطِرُ إِفْطَارًا مُتَوَالِيًا ( حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ ) أَيْ: كُلَّ الْإِفْطَارِ ، وَأَفْطَرَ الشَّهْرَ كُلَّهُ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَدْ أَفْطَرَ ( قَالَتْ: وَمَا صَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهْرًا كَامِلًا ) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ تَتَابُعَ صَوْمِهِ كَانَ دُونَ الشَّهْرِ ( مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ) أَيْ: بَعْدَ الْهِجْرَةِ ( إِلَّا رَمَضَانَ ) أَيْ: ; فَإِنَّهُ صَامَهُ كَامِلًا لِكَوْنِهِ فَرْضًا لَازِمًا ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَخْلُوَ شَهْرٌ مِنْ صَوْمِ نَفْلٍ ، وَأَنْ لَا يُكْثَرَ مِنْهُ حَتَّى لَا يَمَلَّ بَلْ عَلَى وَجْهِ التَّوَسُّطِ وَالِاقْتِصَارِ ، وَقُيِّدَتْ بِابْتِدَاءِ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّمْضِ ، وَهُوَ شِدَّةُ الْحَرِّ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَضَعُوا أَسْمَاءَ الشُّهُورِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْوَاضِعَ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَافَقَ أَنَّ الشَّهْرَ الْمَذْكُورَ شَدِيدُ الْحَرِّ ، فَسَمَّوْهُ بِذَلِكَ كَمَا سُمِّيَ الرَّبِيعَانِ لِمُوَافَقَتِهِمَا زَمَنَ الرَّبِيعِ .

قُلْتُ فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ رَمَضَانَ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ يَقَعُ فِي أَوَّلِ الْخَرِيفِ فَلَا يَكُونُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ .

وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْوَاضِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ وَقْتَ إِلْهَامِ ذَلِكَ الِاسْمِ طَابَقَ الْمُسَمَّى ، وَلَا يُعَارِضُهُأَيْضًا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهٌ آخَرُ مِنْ وُجُوهِ التَّسْمِيَةِ ، فَانْدَفَعَ قَوْلُهُ لَا مِنْ رَمَضِ الذُّنُوبِ أَيْ: أَحْرَقَهَا ; لِأَنَّ تِلْكَ التَّسْمِيَةَ قَبْلَ الشَّرْعِ انْتَهَى .

مَعَ مَا فِيهِ مِنْ أَنَّ الصَّوْمَ مِنَ الْمَشْرُوعِ الْقَدِيمِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَقَدْ نَوَّعَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ حَيْثُ قَالَ: وَسُمِّيَ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا نَقَلُوا أَسْمَاءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ سَمَّوْهَا بِالْأَزْمِنَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا ، فَوَافَقَ رَمَضَانُ زَمَنَ الْحَرِّ ، وَالرَّمَضِ أَوْ [ ص: 117 ] مِنْ رَمِضَ الصَّائِمُ اشْتَدَّ جَوْفُهُ أَوْ لِأَنَّهُ يَحْرِقُ الذُّنُوبَ ، وَرَمَضَانُ إِنْ صَحَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَغَيْرُ مُشْتَقٍّ أَوْ رَجَعَ إِلَى مَعْنَى الْغَافِرِ أَيْ يَمْحُو الذُّنُوبَ ، وَيَمْحَقُهَا ، وَقَالَ شَارِحٌ مِنْ عُلَمَائِنَا فِيهِ دَلِيلٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ ، وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ رَمَضَانُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ بِلَا كَرَاهَةٍ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُقَالُ رَمَضَانُ بِانْفِرَادِهِ بِحَالٍ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ شَهْرُ رَمَضَانَ ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَزَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ رَمَضَانَ بِانْفِرَادِهِ بِحَالٍ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ شَهْرُ رَمَضَانَ ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَزَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِقَيْدٍ ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: وَابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ إِنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إِلَى الشَّهْرِ ، فَلَا كَرَاهَةَ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ فَيُقَالُ صُمْنَا رَمَضَانَ وَقُمْنَا رَمَضَانَ وَرَمَضَانُ أَفْضَلُ الْأَشْهُرِ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ جَاءَ رَمَضَانُ ، وَدَخَلَ رَمَضَانُ قُلْتُ فِيهِ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ أَيْضًا ، وَهِيَ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْمَجِيءِ ، وَالدُّخُولِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ .

إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ .

فَيَنْبَغِي أَنْ يُمَثَّلَ بِقَوْلِهِ أُحِبُّ رَمَضَانَ ، وَنَحْوَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت