الْمُرَادُ بِالتَّطَوُّعِ غَيْرُ الْفَرْضِ فَيَشْمَلُ السُّنَنَ الْمُؤَكَّدَةَ ، وَالْمُسْتَحَبَّةَ وَغَيْرَهَا مِنْ صَلَاةِ الضُّحَى ، وَأَمْثَالِهَا .
( حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ) اسْمُ مَفْعُولٍ كَمَرْمِيٍّ [ ص: 115 ] ( عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ) وَهُوَ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ ابْنِ حَكِيمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَيُقَالُ الْعَنْسِيُّ بِالنُّونِ الدِّمَشْقِيُّ ، وَهُوَ حَرَامُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ يَقُولُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَوَهِمَ مَنْ جَعَلَهُمَا اثْنَيْنِ وَهُوَ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ الْحَرَمِيُّ ، وَقِيلَ الْقُرَيْشِيُّ الْأُمَوِيُّ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَثْبَتُ ذَكَرَهُ مِيرَكُ ( قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الصَّلَاةِ ) أَيِ: النَّافِلَةِ ( فِي بَيْتِي وَالصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ ) أَيْ: أَيُّهُمَا أَحَبُّ ( قَالَ قَدْ تَرَى ) الْخِطَابَ لِلسَّائِلِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَامُّ ، وَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ وَالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ ( مَا أَقْرَبَ بَيْتِيَ مِنَ الْمَسْجِدِ ) صِيغَةُ تَعَجُّبٍ أَتَى بِهَا فِي ضِمْنِ قَوْلِهِ قَدْ تَرَى زِيَادَةً فِي الْإِيضَاحِ وَالتَّأْكِيدِ لِفِعْلِ النَّافِلَةِ فِي الْبَيْتِ اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فَلَأَنْ أُصَلِيَ ) الْفَاءُ: فَصِيحَةٌ ، وَأَنْ: مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ: إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَلِصَلَاتِي ( فِي بَيْتِي ) أَيْ: مَعَ كَمَالِ قُرْبِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْبَعِيدِ عَنِ الْمَانِعِ ( أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِيَ فِي الْمَسْجِدِ ) أَيْ: حَذَرًا مِنَ الرِّيَاءِ وَالْعَجَبِ ، وَتَحْقِيقًا لِتَصْدِيقِ الْإِيمَانِ ، وَمُخَالَفَةً لِلْمُنَافِقِينَ ، وَقَصْدَ وَصُولِ الْبَرَكَةِ إِلَى الْمَنْزِلِ ، وَأَهْلِهِ وَنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ ، وَطَرْدِ الشَّيْطَانِ عَنْهُ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ ( إِلَّا أَنْ تَكُونَ ) أَيِ: الصَّلَاةُ ( صَلَاةً مَكْتُوبَةً ) أَيْ: فَرِيضَةً ; فَإِنَّ الْأَحَبَّ إِلَيَّ صَلَاتُهَا فِيهِ ; لِأَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ ، وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ مِنْ إِعْطَاءِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَالصِّيَامِ جَهْرًا وَسِرًّا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ مِنَ الصَّحِيحِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا ، وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ .
اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْحُكْمِ صَلَاةُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَكَذَا صَلَاةُ الطَّوَافِ ; فَإِنَّهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ إِجْمَاعًا سَوَاءً قِيلَ بِوُجُوبِهَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا أَوْ بِسُنِّيَّتِهَا كَمَا قَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ ، وَكَذَا سُنَّةُ التَّرَاوِيحِ اتِّفَاقًا ، وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ صَلَاةِ الضُّحَى عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ ظَاهِرٌ وَكَذَا قَوْلُهُ ، وَبِهِ عُلِمَ أَفْضَلِيَّةُ الْبَيْتِ حَتَّى عَلَى جَوْفِ الْكَعْبَةِ .