فهرس الكتاب

الصفحة 374 من 425

الْحِجَامَةُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ مِنَ الْحَجْمِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْحَجْمُ الْمَصُّ ، يَحْجِمُ وَيَحْجُمُ ، وَالْمِحْجَمُ وَالْمِحْجَمَةُ بِكَسْرِهِمَا مَا يُحْجَمُ بِهِ وَحِرْفَتُهُ الْحِجَامَةُ كَكِتَابَةٍ انْتَهَى .

وَلَعَلَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا ، وَإِلَّا فَالْمُنَاسِبُ لِلْمَقَامِ هُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ فَتَأَمَّلْ ، وَقَدِ احْتَجَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرًا وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يُفْطِرُ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ .

لِخَبَرِ ( أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ ) ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ تَعَرَّضَا لِلْإِفْطَارِ بِالْمَصِّ لِلْحَاجِمِ وَالضَّعْفِ لِلْمَحْجُومِ أَوْ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلًا ، ثُمَّ نُسِخَ كَمَا وَرَدَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ ( حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ) بِالتَّصْغِيرِ ( سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ ) أَيْ: طَيِّبٌ أَمْ خَبِيثٌ ؟ ( فَقَالَ أَنَسٌ ) أَيْ: كَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ أَيْضًا لَكِنَّ فِيهِ بَعْضَ مُخَالَفَةٍ يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا ( احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ: كَثِيرًا أَوْ مَرَّةً ( حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ ) بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ فَمُوَحَّدَةٍ وَاسْمُهُ نَافِعٌ عَلَى الصَّحِيحِ .

فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ السَّكَنِ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ غُلَامٌ حَجَّامٌ يُقَالُ لَهُ نَافِعٌ أَبُو طَيْبَةَ فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ - [ ص: 219 ] عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُهُ عَنْ خَرَاجِهِ ) الْحَدِيثَ ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي اسْمِ أَبِي طَيْبَةَ أَنَّهُ دِينَارٌ وَوَهَّمُوهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ دِينَارًا الْحَجَّامَ تَابِعِيٌّ رَوَى عَنْ أَبِي طَيْبَةَ ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَكَذَلِكَ جَزَمَ أَبُو أَحْمَدَ وَالْحَاكِمُ فِي الْكُنَى أَنَّ دِينَارًا الْحَجَّامَ يَرْوِي عَنْ أَبِي طَيْبَةَ لَا أَنَّهُ أَبُو طَيْبَةَ نَفْسُهُ وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي الصَّحَابَةِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ أَنَّ اسْمَ أَبِي طَيْبَةَ مَيْسَرَةُ قَالَ مِيرَكُ: وَكَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بَاسْمِ أَبِي جَمِيلَةَ الرَّاوِي حَدِيثَ الْحِجَامَةِ كَمَا سَيَأْتِي ، وَأَمَّا الْعَسْكَرِيُّ فَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ وَذَكَرَ ابْنُ الْحَدَّادِ فِي رِجَالِ الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ عَاشَ مِائَةً وَثَلَاثًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ ، وَهُوَ وَهْمٌ أَيْضًا بَلْ هُوَ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ مَوْلَاهُ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِكَوْنِهِ قِنًّا لِبَنِي بَيَاضَةَ ، صَرَّحَ النَّوَوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَاعْتَرَضَ ( فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ ) مُثَنَّى صَاعٍ ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الْحِجَازِ ، وَثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصَّاعَ اتِّفَاقًا مِكْيَالٌ يَسَعُ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ ، وَلَكِنَّ الْمُدَّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَقِيلَ: رِطْلٌ وَثُلُثٌ ، وَقِيلَرِطْلَانِ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مِعْيَارُهُ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفِّ الرَّجُلِ الَّذِي لَيْسَ بِعَظِيمِ الْكَفَّيْنِ وَلَا صَغِيرِهِمَا ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَكَانٍ يُوجَدُ فِيهِ صَاعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: وَجَرَّبْتُ ذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ صَحِيحًا ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فَأَعْطَاهُ ، وَلَا مُنَافَاةَ إِذِ الْآمِرُ بِالْإِعْطَاءِ يُسَمَّى مُعْطِيًا ، قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى فَأَمَرَ بِإِعْطَائِهِ ، قَالَ مِيرَكُ: وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ: أَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ أَوْ مُدَّيْنِ ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الشَّكُّ مِنْ شُعْبَةَ ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ: فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَمْ يَشُكَّ ، وَأَفَادَ تَعْيِينَ مَا فِي الصَّاعِ ، قُلْتُ: فَقَوْلُهُ ( مِنْ طَعَامٍ ) يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ بِتَمْرٍ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَسْبُ الْحَجَّامِ حَرَامًا لَمَا أَمَرَ لَهُ بِالْإِعْطَاءِ ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ ( وَكَلَّمَ ) أَيِ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( أَهْلَهُ ) أَيْ: مَوَالِيَهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ:"مَوَالِيهِ"بَنُو حَارِثَةَ عَلَى الصَّحِيحِ وَمَوْلَاهُ مِنْهُمْ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْمَوَالِيَ مَجَازًا كَمَا يُقَالُ: بَنُو فُلَانٍ قَتَلُوا رَجُلًا وَيَكُونُ الْقَاتِلُ مِنْهُمْ وَاحِدًا ، قُلْتُ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرِكًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ ، وَالْمُرَادُ: مَوْلَاهُ وَأَتْبَاعُهُ ، قَالَ: وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ مَوْلَى بَنِي بَيَاضَةَ فَهُوَ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: أَبُو هِنْدٍ ( فَوَضَعُوا ) أَيْ: مَوَالِيهِ عَنْهُ ( مِنْ خَرَاجِهِ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ مَا يُوَظَّفُ عَلَى الْمَمْلُوكِ كُلَّ يَوْمٍ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مِقْدَارِهِ ( وَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ أَوْ إِنَّ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ ) أَيْ: مِنْ أَفْضَلِ مَا تَتَدَاوَوْنَ بِهِ ( الْحِجَامَةُ ) وَفِي الْعِبَارَةِ الْأُولَى مُبَالَغَةٌ لَيْسَتْ فِي الثَّانِيَةِ ، قَالَ مِيرَكُ: شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَأَظُنُّهُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ جَعْفَرٍ ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ ( إِنَّ مِنْ أَمْثَلِ مَا [ ص: 220 ] تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ: عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ ( خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ ) .

وَمِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرٍ: عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ أَفْضَلَ أَيْ: مِنْ غَيْرِ شَكٍّ قَالَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ: الْخِطَابُ بِذَلِكَ لِأَهْلِ الْحِجَازِ وَمَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ أَهْلِ سَائِرِ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ ؛ لِأَنَّ دِمَاءَهُمْ رَقِيقَةٌ وَتَمِيلُ إِلَى ظَاهِرِ الْأَبْدَانِ بِجَذْبِ الْحَرَارَةِ الْخَارِجَةِ مِنْهَا إِلَى سَطْحِ الْبَدَنِ .

وَفَصَّلَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هُنَا تَفْصِيلًا حَسَنًا فَقَالَ: إِنَّمَا وَاظَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الِاحْتِجَامِ وَأَمَرَ بِهِ وَبَيَّنَ فَضْلَهُ ، وَلَمْ يَفْتَصِدْ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ ، مَعَ أَنَّ الْفَصْدَ رُكْنٌ عَظِيمٌ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ الْمَوْجُودَةِ وَرَدِّ الصِّحَّةِ الْمَفْقُودَةِ ؛ لِأَنَّ مِزَاجَ بَلَدِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْبِلَادَ الْحَارَّةَ تُغَيِّرُ الْأَمْزِجَةَ تَغَيُّرًا عَجِيبًا كَبِلَادِ الزِّنْجِ وَالْحَبَشَةِ ، فَإِنَّ تِلْكَ الْبِلَادَ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ فَلِهَذَا تُسَخِّنُ الْمِزَاجَ وَتُجَفِّفُهُ وَتَحْرِقُ ظَاهِرَ الْبَدَنِ ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ تَجْعَلُ أَلْوَانَ أَهْلِهَا سُودًا وَشُعُورَهُمْ إِلَى الْجُعُودَةِ ، وَتُدَقِّقُ أَسَافِلَ أَبْدَانِهِمْ وَتُطِيلُ وُجُوهَهُمْ وَتُكَبِّرُ آنَافَهُمْ وَتُجْحِظُ أَعْيُنَهُمْ ، جُحُوظُ الْعَيْنِ: خُرُوجُ الْمُقْلَةِ أَوْ عِظَمُهَا عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ ، وَتَخْرُجُ مِنْهُ مِزَاجُ أَدْمِغَتِهِمْ عَنِ الِاعْتِدَالِ فَيَظْهَرُ أَفْعَالُ النَّفْسِ النَّاطِفَةِ فِيهِمْ مِنَ الْفَرَحِ وَالطَّرَبِ وَصَفَاءِ الْأَصْوَاتِ ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهِمُ الْبَلَادَةُ لِفَسَادِ أَدْمِغَتِهِمْ، وَفِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ الْبِلَادِ فِي الْمِزَاجِ بِلَادُ التُّرْكِ فَإِنَّهَا بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ تُبَرِّدُ الْمِزَاجَ وَتُرَطِّبُهُ وَتَجْعَلُ ظَاهِرَ الْبَدَنِ حَارًّا شَدِيدَ الِالْتِهَابِ ؛ لِأَنَّ الْحَرَارَةَ تَمِيلُ مِنْظَاهِرِ الْبَدَنِ إِلَى الْبَاطِنِ هَرَبًا مِنْ ضِدِّهَا الَّتِي هِيَ بُرُودَةُ الْهَوَاءِ كَالْحَالِ فِي زَمَانِ الشِّتَاءِ ، فَإِنَّ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيَّةَ تَمِيلُ إِلَى بَاطِنِ الْبَدَنِ لِبُرُودَةِ الْهَوَاءِ فَيَجُودُ بِذَلِكَ الْهَضْمُ وَيَقِلُّ الْأَمْرَاضُ ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ قَالَ بُقْرَاطُ: إِنَّ الْأَجْوَافَ فِي الشِّتَاءِ أَسْخَنُ مَا يَكُونُ بِالطَّبْعِ ، وَالنَّوْمُ أَطْوَلُ مَا يَكُونُ ، وَقَالَ أَيْضًا أَسْهَلُ مَا يَكُونُ إِحْمَالُ الطَّعَامِعَلَى الْأَبْدَانِ فِي الشِّتَاءِ فَلِهَذَا السَّبَبِ صَارَ الطَّعَامُ الْغَلِيظُ يَسْهُلُ انْهِضَامُهُ كَالْهَرَايِسِ وَاللُّحُومِ الْغِلَاظِ وَالْخُبْزِ الْفَطِيرِ ، وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ كُلُّهَا فِي الصَّيْفِ عَلَى عَكْسِ مَا ذُكِرَتْ فِي الشِّتَاءِ ؛ لِأَنَّ الْحَارَّ الْغَرِيزِيَّ الْمُصَحِّحَ لِلْغِذَاءِ مَائِلٌ إِلَى ظَاهِرِ الْبَدَنِ بِالْمُجَانَسَةِ إِلَى الْجِنْسِ ، فَلِذَلِكَ يَفْسُدُ الْهَضْمُ وَيَكْثُرُ الْأَمْرَاضُ وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْإِطْنَابِ أَنَّ بِلَادَ الْحِجَازِ لَمَّا كَانَتْ حَارَّةً يَابِسَةً ، فَالْحَرَارَةُ الْغَرِيزِيَّةُ بِالضَّرُورَةِ تَمِيلُ إِلَى ظَاهِرِ الْبَدَنِ بِالْمُنَاسَبَةِ الَّتِي بَيْنَ مِزَاجِهَا وَمِزَاجِ الْهَوَاءِ الْمُحِيطِ بِالْأَبْدَانِ فَيَبْرُدُ بَوَاطِنُ الْأَبْدَانِ وَبِهَذَا السَّبَبِ يُدْمِنُونَ أَكْلَ الْعَسَلِ وَالتَّمْرِ وَاللُّحُومِ فِي حَرَارَةِ الْقَيْظِ ، وَلَا يَضُرُّهُمْ لِبَرْدِ أَجْوَافِهِمْ وَكَثْرَةِ التَّحَلُّلِ ، وَإِذَا كَانَتِ الْحَرَارَةُ مَائِلَةً مِنْ بَاطِنِ الْبَدَنِ إِلَى ظَاهِرِهِ لَمْ يَحْتَمِلِ الْبَدَنُ الْفَصْدَ ؛ لِأَنَّ الْفَصْدَ إِنَّمَا يَجْذِبُ الدَّمَ مِنْ أَعْمَاقِ الْعُرُوقِ وَبَوَاطِنِ الْأَعْضَاءِ ، وَإِنَّمَا تَمَسُّالْحَاجَةُ إِلَى الِاحْتِجَامِ ؛ لِأَنَّ الْحِجَامَةَ تَجْتَذِبُ الدَّمَ مِنْ ظَاهِرِ الْبَدَنِ فَحَسْبُ ، فَافْهَمْ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ الَّتِي أَشْرَفَ عَلَيْهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنُورِ النُّبُوَّةِ ، وَقَالَ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ: الْحِجَامَةُ تُنَقِّي سَطْحَ الْبَدَنِ أَكْثَرَ مِنَ الْفَصْدِ ، وَالْفَصْدُ لِأَعْمَاقِ الْبَدَنِ ، وَالْحِجَامَةُ لِلصِّبْيَانِ وَالْبِلَادِ الْحَارَّةِ أَوْلَى مِنَ الْفَصْدِ وَآمَنُ غَائِلَةً ، وَقَدْ تُغْنِي عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَدْوِيَةِ ، وَلِهَذَا وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِذِكْرِهَا دُونَ الْفَصْدِ ، وَلِأَنَّالْعَرَبَ غَالِبًا مَا كَانَتْ تَعْرِفُ إِلَّا الْحِجَامَةَ ، وَقَالَ [ ص: 221 ] صَاحِبُ الْهُدَى: التَّحْقِيقُ فِي أَمْرِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ أَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْمِزَاجِ ، وَالْحِجَامَةُفِي الْأَزْمَانِ الْحَارَّةِ وَالْأَمَاكِنِ الْحَارَّةِ وَالْأَبْدَانِ الْحَارَّةِ الَّتِي دَمُ أَصْحَابِهَا فِي غَايَةِ النُّضْجِ أَنْفَعُ وَالْفَصْدُ بِالْعَكْسِ ، وَلِهَذَا كَانَتِ الْحِجَامَةُ أَنْفَعَ لِلصِّبْيَانِ وَلِمَنْ لَا يَقْوَى عَلَى الْفَصْدِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَيْضًا أَنَّ الْخِطَابَ لِغَيْرِ الشُّيُوخِ لِقِلَّةِ الْحَرَارَةِ فِي أَبْدَانِهِمْ .

وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَحْتَجِمْ ، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ فِي انْتِقَاصٍ مِنْ عُمُرِهِ وَانْحِلَالٍ مِنْ قُوَى جَسَدِهِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَهُ وَهْنًا بِإِخْرَاجِ الدَّمِ ، قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْتَقِرْ حَاجَتُهُ إِلَيْهِ ، وَعَلَى مَنْ لَمْ يَتَعَدَّ بِهِ ، وَقَالَ ابْنُ سِينَا فِي أُرْجُوزَتِهِ: ( وَمَنْ تَكُنْ عَادَتُهُ الْفَصَادَهْ فَلَا يُمْكِنُ قَطْعُ هَذِهِ الْعَادَهْ )

ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يُقَلِّلُ ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ إِلَى أَنْ يَنْقَطِعَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت