قال: «ثم ظهر بعد ذلك فيما يليه من العصور والأجيال أبو القاسم بن فيره من أهل شاطبة، فعمد إلى تهذيب ما دونه أبو عمرو وتلخيصه، فنظم ذلك كله في قصيدة لغز فيها أسماء القراء بحرف (أب ج د) ترتيبا أحكمه ليتيسر عليه ما قصده من الاختصار، وليكون أسهل للحفظ، لأنه نظمها فاستوعب فيها الفن استيعابا حسنا، وعني الناس بحفظها وتلقينها للولدان المتعلمين،
وجرى العمل على ذلك في أمصار المغرب والأندلس» [1] .
فهكذا جعل ابن خلدون ظهور الإمام الشاطبي في تاريخ هذا العلم مكافئا لظهور الحافظ أبي عمرو فيه مشيرا إلى أهم ما امتاز به وامتازت به المدرسة المغربية من خلاله، وهو اصطناع الرمز لضبط اختلاف القراء.
وقد كان فيه الشاطبي رائدا غير مزاحم، اذ نراه في قصيدته قد عمد إلى الحروف المعرفة ب «أبي جاد» فطابق بينها وبين أسماء القراء السبعة المشهورين والرواة عنهم، جاعلا كل رمز ثلاثي الحروف للقارئ وراويي قراءته على التوالي.
فبدأ بنافع وجعل الرمز «أبج» دالا بألفه عليه، والباء على قالون، والجيم على ورش، وجعل «دهز» دالا على عبد الله بن كثير المكي وراوييه قنبل والبزي، و «حطي» دالا على أبي عمرو وراوييه الدوري والسوسي، و «كلم» دالا على ابن عامر الشامي وراويي قراءته، و «نصع» لعاصم وصاحبيه، و «فضق» لحمزة وراوبيه، ثم «رست» للكسائي وصاحبيه، وجعل الواو فاصلا بين مسائل الخلاف فلم يرمز به لأحد.
ثم زاد على ذلك فأشار بباقي الحروف إلى ما توافق فيه بعض الأئمة، فرمز بالثاء المثلثة لاتفاق الثلاثة الكوفيين عاصم وحمزة والكسائي، ورمز بالخاء لاتفاق الستة المذكورين بعد نافع، والذال المعجمة لاتفاق الكوفيين والشامي، والظاء المشالة لاتفاق الكوفيين والمكي، والغين لاتفاقهم مع البصري، والشين
(1) مقدمة ابن خلدون 438.