وكما كان للإمام الشاطبي في الميدان العلمي تأثير بليغ في الجوهر والمحتوى كان له أيضا تأثير مماثل على الشكل الذي ظل الناس يأخذون به في الإقراء، وإن أدخلوا على صورته في بعض البلدان نوعا من التغيير.
ويتجلى هذا الأثر بارزا في ميدان الإفراد والجمع بالنسبة للطلاب، فقد رتب الشاطبي في ذلك أسلوبا مقبولا في الجملة كان الأخذ يجري عليه، ثم تجاوزه المتأخرون إلى ما حكاه النوري الصفاقسي في «غيث النفع» مما ساد وانتشر بديلا للأسلوب الذي انتهجه الشاطبي [1] .
لا شك أن الإمام الشاطبي كان مسبوقا إلى الأخذ بأسلوب الجمع بين أكثر من قراءة في ختمة واحدة وفي أداء واحد، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك في ترجمة أبي عمرو الداني وتحدثنا عن الريادة فيه، إلا أن الشاطبي فيما يبدو قد تميز في الأخذ والسماح به بنوع من الصرامة، بحيث لم يكن يتوسع فيه إلا بقدر الحاجة، ولا يأذن به إلا للمتأهل، وهو ما أشار إليه الحافظ ابن
عن الأستاذ الصالح السيد المهدي الدكالي العوني نزيل الغساسنة ثم ساق قصة اقرائه للشاطبية فقرأ البسملة في خمسة أيام الخ، ثم ذكر وفاته في العشرة الأولى من القرن الرابع عشر الهجري».
(1) ذكره في غيث النفع 3029وملخصه أن الطالب يقرأ على الشيخ لقالون أحزابا من أول القرءان ثم لورش كذلك، ثم يجمع لنافع كذلك، ثم المكي ثم البصري ثم يجمع بين الثلاثة كذلك ثم لكل قارئ من الأربعة الباقين كذلك، ثم يجمع للسبعة، وهو لم يصل إلى اتقان القراءة مفردة فضلا عن اتقانها مع الجمع مخالفا لاجماع المتقدمين والمتأخرين».