مثالا جهدت الأجيال المتعاقبة بعده على احتذائه. ومحاولة فهم مقاصده وبيانها، وقد جاء بها في زمنه فسد بها فراغا هائلا، وعلى الأخص في المدارس المشرقية التي كانت حتى هذا العهد تتخبط في خلافيات الرسم ولا تكاد تجد من كثير من مشكلاته مخرجا مقنعا ولا بيانا شافيا.
ولقد أسدى الإمام الشاطبيى من خلالها إلى المدرسة الأثرية خاصة والمدرسة المغربية عامة أيادي بيضاء جديرة بكل تقدير، كما أسدى مثل ذلك إلى مسائل هذا العلم خاصة لما امتازت به قصيدته من الاختصار وحسن العرض وجمال الصياغة مع تلخيص أهم قواعد الرسم وجزئياته والتنبيه على أمهات المسائل فيه، بالإضافة إلى ما لها من قيمة فنية وتعليمية بحكم نظمها الميسر للحفظ والاستظهار، ولهذا نجدها سرعان ما دخلت ضمن المتون المعتمدة أو «الكراريس» التي كان المتعلمون ملزمين بعرضها على مشايخهم عن ظهر قلب قبل أن يأخذوا معهم في مباحثها وبسط قواعدها.
ولقد حظيت العقيلة بقريب من العناية التي حظيت بها قرينتها «الشاطبية الكبرى» «كما سيمر بنا بل كانتا عند أكثر الرواة منذ ظهورهما كالتوأمين أو العدلين، لا تكاد تجد راويا يروي هذه دون أختها، بل نجد الغالب الأعم في تراجم الرواة عبارة «سمع الشاطبيتين» وقرأ «الشاطبيتين» .
وكانت العناية بها عند المشارقة أكثر نظرا لما ذكرناه من شدة الحاجة إليها، ولاهتمام بعض أصحاب الشاطبي بروايتها ونشرها وشرح مقاصده فيها، ثم
بدأت الشروح عليها تزداد مع الزمن، كما نظم بعض العلماء على منوالها كما فعلوا مع غيرها، مما يمثل جانبا من الإشعاع العلمي الرفيع الذي كانت أعمال هذا الإمام محورا له، على الرغم من مزاحمة طائفة من الأعمال النظمية لها في هذا المجال وخصوصا في المدرسة المغربية منذ أول المائة الثامنة كما سوف نرى عند أمثال الخراز والقيسي والفخار وغيرهم من العلماء.