إن نوح (عليه السلام) لا ينظر إلى الواقع من فوق، فيرى كفرًا وفسقًا وعصيانًا، ومن ثَم يرفع يديه إلى السماء ويدعو على قومه ..
إن القرآن الكريم لا ينقل إلينا قصة نوح (عليه السلام) من الأخير، وإنما ينقل أولًا حالة القوم الذي عاش فيها، عاش بينهم، نزل إليهم، دعاهم إلى الله تعالى، ولنتدبر هذه الآيات الكريمات ..
(إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا (20) قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالا (24) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25 ) ) .
فنوح (عليه السلام) يدعو ها هنا من موقع الغضب والانفعال على قوم دعاهم للإيمان تسعمائة وخمسين سنة، فلم يستجيبوا .. ومن ثم جاء رد الفعل عنيفًا قاسيًا .. وتعلم أن لكل فعل رد فعل يساويه في القوة، ويخالفه في الاتجاه .. وتصور كيف يكون غضب تسعمائة وخمسين سنة من دعوة أناس كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم كي لا يتسرب إلى عقولهم، قبس من نور الكلمة التي جاء بها النبي الدؤوب .. (3) .
ونحن إذ نتكلم عن النبي نوح (عليه السلام) ، وعن دعوته على قومه (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا(26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا (27 ) ) ، رب سائل يسأل: ما الذي أعلم نوحًا (عليه السلام) بأن أولاد هؤلاء الكفار لن يؤمنوا مثل آبائهم، فجاء الدعاء عليهم جميعًا، وهل يحمل الأبناء وزر الآباء؟
ويذهب الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل إلى (( إن نوحًا يدعو من موقف الانفعال، والقرآن يحدثنا بأمانة عن هذا الدعاء .. على سبيل الإخبار، دون أن يبين ولو تلميحًا، خطأ أو صواب هذا الدعاء، لأن هذه مسألة أخرى، ما دام القرآن الكريم في هذه السورة بصدد عرض تاريخي مكثف لنبوة نوح .. والإخبار شيء، واتخاذ موقف إزاء الحدث التاريخي، أو الرأي، شيء آخر ) ) (4) .
وهذا تفسير عميق للأستاذ الدكتور، ولكن ألا يكون الجواب أن الله تعالى كان قد أوحى إلى نوح (عليه السلام) بأن الآباء من قومك وأبناءهم لن يؤمنوا لك (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(36 ) ) سورة هود. فجاء دعاء نوح متناسقًا ومتحدًا مع الوحي الإلهي ..
وعلى كل، فإنه وجب علينا أن نعلم أن دراسة الشخصية مجردًا من العوامل الخارجية والداخلية التي تحيط بها خطأ كبير يجب تجنبه، ولذا لزم علينا الوقوف طويلًا، والتفكير مليًا، عندما نريد تناول شخصية تاريخية معينة، ووجب علينا التخلص كذلك من كافة الجواذب أيًا كانت، ومن كل شد عصبي، ومن كل هوى، ومن كل حكم مسبق تفرضه العادة أو التقليد الأعمى ..
إذن .. لا بد من المضي قدمًا نحو دراسة جديدة .. واقعية تحليلية .. متجردة .. للتاريخ، ولشخصيات التاريخ الإسلامي بشكل خاص.
منقول
الهوامش:
(1) سيد قطب، في التاريخ فكرة ومنهاج، ط3، بيروت، 1979، ص37.
(2) عماد الدين خليل، ملامح الانقلاب الإسلامي في خلافة عمر بن عبد العزيز، الطبعة الثانية، بيروت، 1391، ص14.
(3) الدكتور عماد الدين خليل، مؤشرات إسلامية في زمن السرعة (نوح عليه السلام .. وبداهات الوراثة) ، ص 74.
(4) المصدر نفسه، ص76 ـ 76.