صحيحة بنبوة موسى إلا شهادة التواتر وهذا التواتر موجود لعيسى ومحمد كوجوده لموسى عليهم السلام أجمعين فإن كان التواتر يفيد تصديقا فالثلاثة صادقون ونبوتهم معا صحيحة وعلمت أيضا أني لم أر موسى بعيني ولم أشاهد معجزاته ولا معجزات غيره من الأنبياء عليهم السلام ولولا النقل وتقليد الناقلين لما عرفنا شيئا من ذلك فعلمت أنه لا يجوز للعاقل أن يصدق بواحد ويكذب بواحد من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام لأنه لم ير أحدهم ولا شاهد أحواله إلا بالنقل وشهادة التواتر موجودة لثلاثتهم فليس من العقل ولا من الحكمة أن يصدق أحدهم ويكذب الباقون بل الواجب عقلا إما تصديق الكل وإما تكذيب الكل فأما تكذيب الكل فإن العقل لا يوجبه أيضا لأنا إنما نجدهم قد أتوا بمكارم الأخلاق وندبوا إلى الفضائل ونهوا عن الرذائل ولأنا نجدهم ساسوا العالم بسياسة بها صلاح حال أهله فصح عندي بالدليل القاطع نبوة المسيح والمصطفى وآمنت بهما فمكثت برهة أعتقد ذلك من غير أن التزم الفرائض الإسلامية مراقبة لأبي وذلك أنه كان شديد الحب لي قليل الصبر عني كثير البر بي وكان قد أحسن تربيتي إذا شغلني منذ أول حداثتي بالعلوم البرهانية وربي ذهني وخاطري في الحساب والهندسة العلمين اللذين مدح أفلاطون عقل من يتربى ذهنه في النظر فيهما فمكثت مدة طويلة لا يفتح على وجه الهداية ولا تنحل عني هذه الشبهة وهي مراقبة أبي إلى أن حالت الأسفار بيني وبينه وبعدت داري عن داره وأنا مقيم على مراقبته والتذمم من أن أفجعه بنفسي وحان وقت الهداية وجاءتني الموعظة الإلهية برؤيتي للنبي في المنام ليلة الجمعة تاسع ذي الحجة سنه ثمان وخمسين وخمسائة وكان ذلك بمراغة من آذربيجان وهذا شرح ما رأيت:
المنام الأول
رأيت كأني في صحراء فيحاء مخضرة الأرجاء يلوح من شرقيها شجرة عظيمة والناس يهرعون إلى تلك الشجرة فسألت بعضهم عن حال الناس فقال إن تحت الشجرة شموائيل النبي جالس والناس يسلمون عليه فسررت بما سمعته وقصدت الشجرة فوجدت في ظلها شيخا جسيما بهيا وقورا شديد بياض الشعر عظيم الهيبة بيده كتاب ينظر فيه فسلمت عليه وقلت بلسان عربي السلام عليك يانبي الله فالتفت إلى مبتسما وهش إلي وقال وعليك السلام يا شريكنا في الاسم اجلس لنعرض عليك أمرا فجلست بين يديه فدفع إلي الكتاب الذي بيده وقال اقرأ ما تجده بين يديك فوجدت بين يدي هذه الآية من التوراة: (نابي أقيم لاهيم مقارب أحيهم كاموخا إيلاويشماعون) تفسيره نبيا أقيم لهم من وسط أخوتهم مثلك به فليؤمنوا
(ما بين السطرين زيادة من عندي: قمت البحث عن هذه النبوءة في كتاب المقدس المعتمد عند النصارى والذي يضم العهد القديم والجديد فوجدت هذه النبوءة في سفر التثنية كما في توراة اليهود مع اختلاف طفيف في الترتيب)
(أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ سفر التثنية: 18)
نكمل مع قصة السموأل بقلمه
وهذه مناجاة من الله عز و جل لموسى وكنت أعرف أن اليهود يقولون إن هذه الآية نزلت في حق شموائيل النبي لأنه كان مثل موسى يعنون أنه كان من سبط ليوى وهو السبط الذي كان منه موسى فلما وجدت بين يدي هذا الآية من التوراة قرأتها وظننت أنه يذهب إلى الافتخار بأن الله تعالى ذكره في التوراة وبشر به موسى عليه السلام فقلت هنيئا لك يا نبي الله ما خصك الله به من هذه المنزلة فنظر إلي مغضبا وقال أو إياي أراد الله بهذا يا ذكيا ما أفادتك إذا البراهين الهندسية فقلت يا نبي الله فمن أراد الله بهذا
قال الذي أراد به في قوله هو فيع ميهار فاران وتفسيره إشارة إلى نبوة وعد بنزولها على جبال فاران فلما قال لي ذلك عرفت أنه يعني المصطفى لأنه المبعوث من جبال فاران وهي جبال مكة لأن التوراة ناطقة نصا بأن فاران مسكن آل إسماعيل وذلك قول التوراة ويشب بمد نار فاران تفسيره وأقام في برية فاران يعني إسماعيل ولد إبراهيم الخليل عليهما السلام ثم إنه عاد والتفت إلى وقال وأما علمت أن الله لم يبعثنى بنسخ شيء من التوراة وإنما بعثنى لأذكرهم بها وأحيي شرائعها وأخلصهم من أهل فلسطين
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)