وفي عام 1935 فوضت الحكومة البريطانية المندوب السامي السر أرثروا كهوب فعرض في 21 ديسمبر مشروعًا جديدًا لتشكيل مجلس تشريعي مؤلف من 28 عضوًا نصفهم من العرب والنصف الآخر من اليهود والإنجليز، وأعلن المندوب السامي أن الحكومة مصممة على تشكيل المجلس رغم كل معارضة، ولو اضطرت إلى تعيين الأعضاء عن الفريق الذي يرفض الاشتراك فيه. ورغم هزال المشروع أبدى العرب استعدادهم لبحثه، ولكن اليهود رفضوه معلنين أنهم لا يقبلون الاشتراك في أي مجلس تشريعي لا يكون لهم فيه نصف الأعضاء على الأقل. ولما جرى بحث المشروع في البرلمان البريطاني قرر مجلس اللوردات ومجلس العموم رفضه، فطوته الحكومة البريطانية، ولو رغبت فيه لما عجزت عن الحصول على موافقة البرلمان عليه.
لجنة بيل توصي بتقسيم فلسطين:
ولما وقع إضراب فلسطين العظيم عام 1936 الذي صحبته ثورة فلسطين الكبرى ودام ستة أشهر كاملة ولم ينته إلا بتدخل ملوك العرب وأمرائهم، أوفدت الحكومة البريطانية لجنة التحقيق الملكية (لجنة اللورد بيل) إلى فلسطين، وأوصت في تقريرها بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود والإنجليز، وكان طبيعيًا أن يرفض العرب تقسيم بلادهم.
مؤتمر مائدة مستديرة في لندن:
فاستأنفت الثورة واشتدت، واتسع نطاقها اتساعًا خطيرًا جدًا اضطر السلطات البريطانية للعدول عن التقسيم في عام 1938، ورأت بريطانيا لمعالجة الموقف أن تدعو كلا من حكومات مصر والمملكة العربية السعودية واليمن والعراق وشرق الأردن واللجنة العربية العليا بصفتها الممثلة لعرب فلسطين، إلى مؤتمر مائدة مستديرة في لندن، ولكن المؤتمر فشل في الوصول إلى حل لقضية فلسطين، لتعنت الاستعمار واليهود، وتدخل الولايات المتحدة الأمريكية.
الكتاب الأبيض لسنة 1939:
وفيما بعد أصدرت الحكومة البريطانية كتابًا أبيض عن سياستها الجديدة في فلسطين اعترفت فيه بمبدأ تأسيس دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنين، وتشكيل مجلس تشريعي، ولكنها علقت ذلك على ملاءمة الظروف وقبول كل من العرب واليهود به، وقد حددت الهجرة اليهودية فيه، ومنع بيع الأراضي لليهود في بعض مناطق فلسطين. ففي بادئ الأمر قابلت الدول العربية هذا الكتاب الأبيض بتحفظ وتجهم لما فيه من تناقض، إلا أنها قبلته في النتيجة كما قبلته الأكثرية الكبرى من أعضاء اللجنة العربية العليا لفلسطين، وأخيرًا قبلته أيضًا جامعة الدول العربية وطالبت - في اجتماعها عام 1945 - الحكومة البريطانية بتنفيذه، وبذلك لم يكن العرب سلبيين. ولكن اليهود رفضوه وأصروا على رفضه، فلم تنفذه بريطانيا، رغم أنها تعهدت حين أصدرته عام 1939 بشرفها وشرف الإمبراطورية بأن تنفذه سواء أرضى به العرب واليهود أم لم يرضوا.
السلبية والإيجابية:
هذا وليست السلبية أو الإيجابية مبدأ أو عقيدة. والمرء لا يجنح لإحداهما إلا لأسباب يتعلق بها صالحه أو يكون فيها ضرره، فإذا رأى المرء صالحه في أمر أقبل عليه بلا تردد وكان إيجابيًا وإذا أوجس من أمر خيفة أو حمل على ضيم، ابتعد عنه ونفر وكان سلبيًا، وكل ذلك بسائق الفطرة. وقديمًا قال أحد حكماء العرب: يعجبني من المرء إذا سيم خطة الضيم أن يقول"لا"بملء فيه. وما يصح في الأفراد في هذا الشأن يصح في الأمم. ولم يكن أهل فلسطين سلبيين بادئ الأمر، فقد طالبوا الإنجليز - بالحسنى - بحقوقهم، وشكوا إليهم الظلم الذي أوقعوه فيهم، ثم بعثوا بوفودهم العديدة إلا لندن، وأنشأوا فيها مكاتب للدعاية، والتمسوا من الدول العربية والإسلامية المتصلة بإنجلترا أن تتوسط لديها لتعاملهم بالحق والعدل، فلم يجدهم ذلك نفعًا، ولم يزد الإنجليز إلا صلفًا وغرورًا، واندفاعًا في سياسة البغي والعدوان، لتهويد بلادهم ونقض بنيانهم وتقويض كيانهم. فلما أيقن العرب بسوء نية الإنجليز وتآمرهم واليهود عليهم، وذلك بعد تجارب كثيرة لم تدع مجالًا للثقة والطمأنينة، كان من الطبيعي أن يحذروا دسائسهم ويعملوا على اتقاء مكايدهم. فلما عرض عليهم مشروع المجلس التشريعي الذي طبخه المثلث الصهيوني المؤلف من تشرشل وصموئيل وبنتويتش، تلقوه بحذر، وفحصوه، فلما وجدوه طعامًا قد دس فيه السم بالدسم عافوه وكذلك المجلس الاستشاري الذي لا يضمن لهم إلا الاستشارة (كما هو ظاهر من اسمه) التي قد يطلبها منهم المندوب
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)