وكان مما قاله عن الحياة الأدبية في سورية:"والحياة الأدبية في الشام أحوج ما تكون إلى المداواة والعلاج، إن كان في الشام حياة أدبية لها وجود، ولها آثار يستطيع الناقد أن يصفها ويتحدث عنها. وأنا أشك في وجود هذه الحياة، فلا أستطيع أن أجزم بوجودها لأني لا أرى أي عَلاقة من علاقات الحياة في أدباء دمشق وأدبها، ولا أستطيع أن أنفيها؛ لأن في دمشق أدباء كبارًا معروفين، ولأن دمشق - كما يعرفها الناس جميعًا - عاصمة من عواصم البيان العربي. وإنما أقول: إن أدباء دمشق في منزلة بين الموت الكامل، والحياة الصحية، هي كالسبات العميق، والنوم الطويل، وإلا فما يصنع كتاب دمشق وشعراؤها؟! وأين هي منتجاتهم الأدبية؟! وهل يكفي شاعرًا أن يقول كل سنتين قصيدة واحدة، تضطره إليها المناسبات اضطرارًا، ثم لا يكون في القصيدة أثر من نفسه، ولا تصف شيئًا من عواطفه؟!"
وهل يكفي الكاتب أن ينشر كل عام مقالة تطلب منه، أو مقدمة كتاب يسأل كتابتها؟! بل هل يستطيع أن يملك لسانه الشاعر، فلا يقول شيئًا، وهو يرى كل يوم ما ينطق الصخر بالشعر، من مصائب الأمة ونكباتها، بل من همومه هو ومتاعبه، وما يشاهده في حياته في بيته، وحياته في عمله؟! [2] ( http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=1655#_ftn2) .
موقف من الأدب:
وتحدث الطنطاوي عن غلبة المذهب الرومانسي على الشعراء الشباب في الشام، وهاجم ما فيها من السَّوْداوية والتشاؤم واليأس والانزواء في الأبراج العاجية فقال:"ولكن الغالب على أدبهم المذهب الرومانسي. وقد حملت على هذا المذهب بسلسلة من المقالات عنوانها"الأدب القومي". إلى أن قلت: من الذي حجب عن عينيك - أيها الشاعر - ملذات الحياة ومفارحها، ولم يُرِك إلا آلامها وأحزانها؟! لماذا ترى سواد الليل ولا ترى بياض الضحى؟! لماذا تصف بكاء السماء بالمطر في الشتاء، وتدع ضحك الأرض بالزهر في الربيع؟! لماذا تصور حشود المآتم، وتهمل حفلات الولادة؟! الدنيا ليل ونهار، وشتاء وربيع، وموت وولادة، إنها كالقمر، له جانب مظلم وجانب مضيء، فمن ملأ قلبه ظلام اليأس لم ير إلا الجانب المظلم مع أنه خفي لا يُرى."
لا تعش لنفسك وحدها، بل عش لها ولأمتك، فكر بعقلها، اشعر بشعورها، وأدِّ ما يجب عليك لها، أما أن تقول: هذا حبي، وهذه عاطفتي، فاشتغلوا بها معي، فلا. إن أدبك يكون إذن مخدِّرًا للحس الوطني.
حسبنا بكاء ويأسًا، ورثاء للماضي، وفزعًا مما يخبِّئ لنا المستقبل. كفى تبرمًا بالحياة، وشكوى منها، ودعونا من أدب لامارتين وموسيه" [3] ( http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=1655#_ftn3) ."
وتحدث الشيخ الطنطاوي عن أدب الحداثة المنحرفة، وليس عن الحداثة بمعنى التجديد، إذ كان الطنطاوي من دعاة التجديد في الحياة الأدبية.
وها هو ذا يقول في معرِض حديثه عن زيارته لوالد الشاعرة نازك الملائكة:"وقد نشرت أول العهد بها في الرسالة شعرًا نفيسًا، أثار إعجابنا وتقديرنا، لا هذا الشعر الذي سمَّوه حرًا، أو شعر الحداثة، فهل يبقى الحدث حدثًا أم يشب ويعقل. وسمَّوه حرًا، ومن الحرية ما هو فوضى. فإن رأيت الجند يمشون صفًا واحدًا مرتبًا منظومًا نظم اللآلئ في العِقد. فخرج واحد منهم على الصف وعلى نظامه، فمشى على غير مِشيتهم، وبسرعة غير سرعتهم. أليس هو ما يسمونه بشعر التفعيلة؟! شعر تفعيلاته صحيحة الوزن، ولكن لا ارتباط بين أبياته ولا تناسق بينها. وإن الشعر الحق هو الذي يثير الشجون، ويحرك العواطف، مع اتساقه في الآذان ومحافظته على الإيقاع."
إن علينا أن نقول الحق ولو على أنفسنا، والحق أن معاني الشعر الغربي - الفرنسي أو الإنجليزي - أوسع مدى وأكثر عمقًا، وأن ميزة شعرنا في النظم، في الموسيقى الشعرية، تلك هي الميزة التي يحاول هؤلاء أن يحرمونا منها" [4] ( http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?ArticleID=1655#_ftn4) ."
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)