2 -قدَّم مُوسى بن عُقبة غزوةَ بني المصطلق إلى السَّنةِ الرَّابعةِ خِلافًا للأكثرين الذين جعلُوها في السنة السادسة؛ لاشتراك سعدِ بن مُعاذ فيها، وهو مُتوفَّى عقب بني قريظة وهي في السنة الرابعة. وتابعَهُ على تقديمِ تاريخِها ابنُ القيم والذَّهبيّ.
3 -أخَّر البُخاريّ غزوةَ ذات الرقاع إلى ما بعد خيبر؛ نظرًا لاشتراك أبي مُوسى الأشعري وأبي هُريرة فيها، وقد قَدِما بعد خيبر، وتابعه على تأخيرِها ابنُ القيم وابنُ كثير وابنُ حجرٍ، خِلافًا لرأي ابنِ إسحاق والواقديّ في تقديمِها.
4 -الخلافُ حولَ تشريعِ صلاةِ الخوفِ معظمه مبنيٌّ على محاكمةِ المتنِ. الأمثلة كثيرة؛ ولكن من المهم أن يُقالَ: إنَّ حفظ الروايات قد استنفدَ طاقة الأوائل، وأتى بعدهم من لخَّص وذيَّل عليها وانتقى منها، وهذا عملٌ نقديٌّ. وفي مؤلَّفاتٍ مُتأخِّرةٍ تَبْرُزُ محاكماتٌ دقيقةٌ للمتون، كما في: البداية والنهاية، وفتح الباري، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية,
قال ابنُ تيمية -رحمه الله-: (الأحاديث التي ينقلها كثيرٌ من الجُهَّالِ لا ضابطَ لها، لكن منها ما يُعرف كذبُهُ بالعقل، ومنها ما يُعرف كذبُهُ بالعادةِ، ومنها ما يُعرف كذبُهُ بأنه خلافُ ما عُلِمَ بالنَّقلِ الصَّحيحِ، ومنها ما يُعرفُ كذبُهُ بطرقٍ أُخرى) 22.
كما يحسب في عداد تقويم العقلية النقدية لدى المسلمين خدمتهم لنصوص أحاديث الأحكام خدمة بالغة، وجهودهم في كتب أصول الفقه التي تُنبئ عن عقلية فذة. وإذا علمنا أنَّ للمُؤرِّخين القُدامى كتبًا في فنون أخرى لم يجزْ لنا أنْ نتهمهم بإهمال المتون، كما يجبُ مُراعاةُ عنصر الزمن، فلا تقوَّم جهودُهم بمقاييس أنجزها التقدمُ العلميُّ اليوم؛ لئلا يُغمطوا حقَّهم.
على أنَّ علمَ مصطلح الحديث قد اشتملَ على مباحثَ تُشكِّلُ الجانبَ النَّظريَّ لنقد المتون، ولكن القصور حصلَ في تطبيق ذلك على الرِّواية التَّاريخيةِ، فلم تحظَ بما حَظِيتْ به الأحاديثُ النَّبَويَّة من العنايةِ 23.
لقد انزلق المطالبون بنقد المتون؛ حيث أجروا أحكامَ العقل في المتون الثابتةِ، وجعلُوا ذلك أساسًا للردِّ والقبولِ، وذلك أمرٌ تتفاوتُ فيه العقولُ، وإنما يجيءُ الإشكالُ من جهةِ قُصُورِ العقلِ عن إدراكِ الخطابِ للتوفيقِ بينه وبين النُّصوصِ الأُخرى.
وربما يُثبت مَن لم يلتزمْ منهجَ المحدِّثين حديثًا واهيًا لصحة معناه، وقد يردُّ رواية الشيخين لظنه تعارضها مع مبادئ الإسلام وقواعده، وهذا تحكيمٌ ضعيفٌ للعقل 24.
ومما وقعوا فيه خلالَ دراسةِ السِّيرة نفيُ المعجزات الثابتة بالنَّقل الصحيح، وهو في حقيقتِهِ انصياعٌ للفكر الماديِّ والفلسفات الوضعيةِ، مع أنَّ المسلمَ لابُدَّ له من الاعتزازِ الذي يُحقق له الاستقلالَ التام في النَّظرِ والبحثِ العلميِّ 25.
سادسًا: فهمُ العربيةِ ومعرفةُ أساليبِها:
(امتازَ التأليفُ في العُصُورِ الأُولى بقوةِ الأسلوبِ وفُحُولةِ المعاني وجَزَالةِ الألفاظِ وإشراق الدِّيباجةِ والتزام أساليب العربِ ومذاهبهم في البيان) 26 فدعتِ الحاجةُ لدارسِ السِّيرة إلى حُسنِ فهمِ العربيةِ وأساليبِها؛ ليحسن التعامل مع رواياتِ السِّيرة؛ إذِ المطلوبُ في فهمِها والاستنباط منها أنْ يتمَّ وفقَ قواعد العربيةِ وأساليبِها دُونَ تعسفٍ أو تمحُّلٍ في التفسيرِ 27.
سابعًا: الالتزام بالمصطلحات الشرعية:
قَسَّمَ اللهُ -تبارك وتعالى- النَّاسَ ثلاثةَ أقسامٍ: مؤمنًا، وكافرًا، ومنافقًا كما في صدر سورة البقرة, وجعلهم حزبينِ: أولياء الرَّحمن، وأولياء الشَّيطان، فالواجبُ الالتزام بهذه التسميات، وعدمُ العدولِ عنها إلى مثل: يميني، يساري 28، ليبرالي ... إلا عند الحاجةِ للتعريف باتجاهاتِ بعض الأفراد الذين يترتب على معرفةِ ذلك منهم مصلحةٌ، مع الحرص على التحديدِ ما أمكن. وفائدةُ التحديدِ في تقليلِ التمييعِ والتضليلِ الذي يسعى إليه المُفسدون وأشياعُهم؛ حيث يحرصُون على التعميةِ وتجاهلِ الأسماءِ الشَّرعيةِ التي يترتبُ عليها أحكامٌ، وتستلزم ولاءً أو براءً.
ثامنًا: صدق العاطفة:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)