قال رجل يا رسول الله من أحق الناس بحسن مصاحبتي؟ قال (أمك) قال: ثم من؟ قال (أمك) قال ثم من؟ قال (أمك) قال ثم من؟ قال (أبوك) (1) .
والأب أيضًا يتعب على أولاده ويضجر بضجرهم ويفرح لفرحهم ويسعى بكل الأسباب التي فيها راحتهم وطمأنينتهم وحسن عيشهم , يضرب الفيافي والقفار من أجل تحصيل العيش له ولأولاده.
فكل من الأب والأم له حق , ومهما عملت من العمل فلن تقضي حقمها , ولهذا قال الله عز وجل (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) ] الإسراء24[فحقهم سابق , حيث ربياك صغيرًا حين كنت لا تملك لنفسك نفعًا ولا ضرًا فواجبهما البر.
*والبر فرض عين بالإجماع على كل واحد من الناس , ولهذا قدمه النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد في سبيل الله , كما في حديث ابن مسعود , قال , قلت: يا رسول الله , أي العمل أحب إلى الله؟ قال (الصلاة في وقتها) وقلت: ثم أي؟ قال (بر الوالدين) قلت: ثم أي؟ قال (الجهاد في سبيل الله) (2) .
*والولدان هما الأب والأم , أما الجد والجدة فلهما بر , لكنه لا يساوي بر الأم والأب , لأن الجد والجدة لم يحصل لهما ما حصل للأم والأب من التعب , والرعاية والملاحظة , فكان برهما واجبًا من باب الصلة , أما البر فإنه للأم والأب.
لكن ما معنى البر؟
البر: إيصال الخير بقدر ما تستطيع , وكف الشر.
إيصال الخير بالمال , وإيصال الخير بالخدمة , وإيصال الخير بإدخال السرور عليهما , من طلاقة الوجه وحسن المقال والفعال ' وبكل ما فيه راحتهما.
ــــــــــ
(1) أخرجه البخاري رقم5971 ومسلم رقم1 , 2 كتاب البر والصلة (2) أخرجه البخاري رقم527 ومسام رقم139 كتاب الإيمان.
*ولهذا كان القول الراجح وجوب خدمة الأب والأم على الأولاد إذا لم يحصل عليه بضرر , فإن كان عليه ضرر , لم يجب عليه خدمتهما , اللهم إلا عند الضرورة.
ولهذا نقول: إن طاعتهما واجبة فيما فيه نفع لهما , ولا ضرر على الولد فيه , أما ما فيه ضرر عليه , سواء كان ضررًا دينيًا , كأن يأمراه بترك واجب , أو فعل محرم , فإنه لا طاعة لهما في ذلك , أو كان ضررًا بدنيًا , فلا يجب عليه طاعتهما. أما المال فيجب عليه أن يبرهما ببذله , واو كثر , إذا لم يكن عليه ضرر , ولم تتعلق به حاجة , والأب خاصة له أن يأخذ من مال ولده ما شاء ما لم يضر.
وإذا تأملنا في أحوال الناس اليوم , وجدنا كثيرًا منهم لا يبر بوالديه , بل هو عاق , تجده يحسن إلى أصحابه , ولا يمل الجلوس معهم , لكن لو يجلس إلى أبيه أو أمه ساعة نهار لوجدته متمللًا , كأنما هو على الجمر , فهذا ليس ببار , بل البار من ينشرح صدره لأمه , وأبيه , ويخدمهما على أهداب عينيه , ويحرص غاية الحرص على رضاهما بكل ما يستطيع.
وكما قالت العامة (البر أسلاف) فإن البر مع كونه يحصل به البار على ثواب عظيم في الآخرة , فإنه يجازى به في الدنيا , فالبر والعقوق كما يقول العامة (أسلاف) أقرض , تستوف إن قدمت البر لأبيك وأمك , برك أولادك , وإن قدمت العقوق عقك أولادك.
وهناك حكايات كثيرة في أن من الناس بر والديه فبر به أولاده , وكذلك في العقوق هناك حكايات تدل على أن الإنسان إذا عق أباه عقه أولاده.
ومن مكارم الأخلاق أيضًا صلة الأرحام: وهناك فرق بين الوالدين , والأقارب الآخرين , فالأقارب لهم الصلة , والوالدان لهما البر. والبر أعلى من الصلة , لأن البر كثيرة الخير والإحسان , لكن الصلة ألا يقطع , ولهذا يقال في تارك البر: إنه عاق , ويقال فيمن لم يصل: إنه قاطع!
فصلة الأرحام واجبة , وقطعها سبب للعنة والحرمان من دخول الجنة , قال الله تعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) ] محمد 22 ,23 [, وقال النبي عليه الصلاة والسلام (لا يدخل الجنة قاطع) (1) أي قاطع رحم , والصلة جاءت في القرآن والسنة مطلقة.
وكُل ما أتى وَلَم يُحددِ ... بِالشرعِ كالحرِز فالعُرفِ احْدُدِ
وعلى هذا , يرجع إلى العرف فيها , فما سماه الناس صلة , فهو صلة , وما سموه قطيعة , فهو قطيعة , وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأمكنة والأمم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)