ـ [جهاد حِلِّسْ] ــــــــ [15 - 10 - 10, 12:18 ص] ـ
الحمد لله، وبعد ..
11_ (103) إسماعيل بن عمر بن كثير، الحافظ عماد الدين، أبو الفداء (591_ 680هـ)
المفسِّر المشهور صاحب (تفسير القرآن العظيم)
1_أهمية حفظ المتون لنيل الفنون:
قال الداودي رحمه الله عنه: (أخذ الكثير عن ابن تيمية، وقرأ الأصول على الأصفهاني، وسمع الكثير، وأقبل على حفظ المتون، ومعرفة الأسانيد، والعِلل، والرجال، والتاريخ، حتى برع في ذلك وهو شاب) (1/ 112)
قال مُقَيِّدُه غفر الله له:
ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالحفظ أيما عناية، في كل الفنون، ومتى ما أحكم في كل فنٍِّّ متنًا أو أكثر، وضبطه حفظًا وفهمًا، قَدِر على تكوين الملكة التصورية الكاملة في ذهنه لأيِّ فنِّ من هذه الفنون.
ولكم قال أهل العلم قديمًا، وتلقيناه عن شيوخنا أثناء الطلب، ولا زالوا يكررونه لنا: (من حفظ الأصول مُنِح الوصول)
ولذا فلا عجب من الشيخ أبي الفداء رحمه الله أن يبرز في العلوم لشدة عنايته بالمتون وحفظها؛ حتى قال عنه الحافظ شهاب الدين بن حِجي:(كان أحفظ
من أدركناه لمتون الحديث، وأعرفهم بتخريجها، ورجالها، وصحيحها، وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك)أهـ
وأيضًا: هذا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، حين صنَّف كتابه الفريد (بلوغ المرام في أدلة الأحكام) قال في مقدمته مشيرًا إلى فائدة الحفظ:
(وحرَّرتُه تحريرًا بالغًا؛ ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغًا)
إذن الحفظ مرقاة من مراقي النبوغ والفلاح؛ فلا ينبغي بطالب العلم التقصير فيه ألبتة.
وهنا أنصح بالعناية في معرفة المتون وضبطها، بكتابين:
الأول: الدليل إلى المتون العلمية، للشيخ القاسم فهو نفيس جدًا. و يُضفي على معرفة الطالب علمًا جمًَّا، وكتب مقدمة نافعة في أهمية المتون والعناية بها، وأوقات الحفظ، وما يعين عليه، وبعض النفائس التي يفتقر إليها كل من رغب في العلم.
والثاني: جامع المتون العلمية، للشيخ الشمراني؛ فقد ضبط المتون ضبطًا جيدًا، وأراه من أفضل الموجود؛ اعتمادًا على أنقح الطبعات وبعض المخطوطات.
وأهيب بالإخوة الفضلاء، العناية بالمتون المختصَّة بالتفسير وعلوم القرآن، سيَّما مقدمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (طبعة د. زرزور أضبطها) فمن حفظها واعتنى بها ستسهل عليه كثيرًامن مسائل هذا الفن.
ومنظومة الزمزمي، ثم منظومة الشيخ المتفنن خطيب الحرم الشيخ سعود الشريم؛ والأخيرة رائعة جزلة لطيفة.
ولو أضاف بعض الأبيات هنا وهناك في أبواب معينة مثلًا من علوم القرآن أو قواعد التفسير لكان حسنًا، مثل الأبيات التي صاغها السيوطي في آيات النسخ (وشرحها الشيخ الشنقيطي رحمه الله) أو بعض أبيات في سور القرآن مثلاُ (كمنظومة الترتيب) أو في موافقات عمر
والشواهد كثيرة جدًا (خاصة في كتب التراجم) ، فإن تمكَّن طالب التفسير منها، ظهرت ملامح البروز والتميز في سيرته إن شاء الله. والموفق من وفقه ربه.
2_أهمية العناية باللقاءات والحرص على الاستفادة منها:
قال الداودي رحمه الله عنه متممًا كلام الحافظ شهاب الدين السابق: (ويشارك في العربية مشاركة جيدة، وينظم الشعر، وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي إليه إلا واستفدتُ منه) (1/ 113)
قال مُقَيِّدُه غفر الله له:
وهذه لفتة طيِّبة موفقة؛ فيها فائدتان:
الأولى: الحرص الشديد على الاعتناء بلقاء العلماء، والتفنُّنِ في اقتناص الفوائد، وهذا يحتاج إلى ذِهْن متفتِّحٍ، وفراسة قوية، وحُسْن إدراكٍ، وقبل هذا كلّه، الرغبة في الفائدة؛ فطالب العلم يستفيد من العالم في كل شيء، في جلوسه، وقيامه، ومشيته، ونظره، ووقوفه، وكلامه، ودعابته، ومزاحه، ولو كان في غير العلم؛ فثمة فوائد لطيفة تنبع من وراء ذلك، لمن أحسن النظر، وأجال الفِكَر، وهو بهذ يتحاج لمنقاشٍ صحيح، يُحسِن به إبراز النكتة، ويجيد وضعها في المكان المناسب من النَّفس للتَّأسي بذلك.
ولقد ضرب أهل الحديث في هذا الشان روائع وعجائب؛ فكان أحدهم يكتب كل شيءٍ عن شيخه في حلِّه وترحاله! وقد يعيب عليهم من أقرانهم من ليس بنابهٍ مثلهم! بيد أنهم قد فُوفِّقُوا لذلك وانتفعوا به، وأحسنوا توظيف الفوائد في سلوكهم، وحياتهم، ومعاشهم؛ فرحمهم الله تعالى.
ورزقنا فهمًا كحسن فهم، وحرصًا كحرصهم، وصلاحًا كصلاحهم.
الثانية: مما يجب على طالب العلم، الحريص على وقته، أن يستغل مثل هذه اللقاءات، لا أن تكون خالية من الفائدة، والعلم، وتبادل المعرفة؛ فهذا يُضَيِّع كثيرًا من الوقت (وكم ضيعنا كثيرًا نسأل الله السلامة والعافية والمغفرة) ، وسيسأل عنه يوم القيامة. فالله الله في اللقاءات معاشر المفسرين.
وقد كنتُ أسمع عن الشيخ العلامة الدكتور بكر أبو زيد أمده الله بالعافية، موقفًا عجبًا، أثَّر ذلك علىَّ كثيرًا؛ فحين زاره بعض الإحبَّة للقائه والجلوس معه، يخبرني أحدهم فيقول:
جلسنا مع الشيخ وكان كلامنا:
كيف حال الشيخ؟
وعلوم الشيخ؟
ونحبك في الله يا شيخ.
وأخبار الشيخ؟
ولا أسئلة عندنا!!)
فلمَّا طال الجلوس بلا مسائل علمية يقول صاحبي:
فقال الشيخ: هل عندكم أسئلة، أو مسائل في العلم؛ فننتفع، وإلا فهناك ما يشغلني من العلم، وبعض الأمور بحاجة لإتمام.
يقول صاحبي: فتقطَّعنا حياءً، واعتذرنا من الشيخ وسلمنا عليه، وانصرفنا. أهـ
فما زالتُ أنتفع بهذا الموقف من سنين؛ فجزى الله الشيخ الذي بمثل هذا الحرص أخرج لنا دررًا نافعة طيبة، كانت ثمرة لجرد مطولات لا تكون إلا بالحرص على الأوقات.
وجزى الله صاحبي فقد استفدتُ منه درسًا طيبًا.
فاللهَ أسألُ أن يجعل أعمالنا صالحة في رضاه، وأن يجعل لقاءنا في مرضاته، إن خير مسؤول، وهو بكل كفيل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وأقف بهذه الترجمة؛ لحين العودة من السفر إن شاء الله
فنستودع الله أهل الملتقى الأخيار الذي لا تضيع ودائعه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)