وإذا تبين لك هذا عرفت أن وصف التسنُّنِ والعلم بالحديث الذي اتصف به من انتسب من المحدثين للأشعري، لا تأثير له في المذهب البتة، بل هؤلاء المحدثون لا تذكر أسماؤهم إلا عند التكثُّر، ولإيهام الغِرِّ فضلَ المذهب بانتساب الأفاضل إليه.
ورغم هذا كله، فإن انتساب الأفاضل لحزب الأشعري يبقى خيطًا يمكن للسُّنِّيِّ أن يتمسك به عند جدالهم ودعوتهم إلى الحق، وهذا ما فعله شيخ الإسلام في الفتوى الحموية، حيث حشد أقوال أفاضل انتسبوا للأشعري في مسألة العلو والصفات الخبرية، ليكون ذلك ذريعة يرجى لمن تذرع بها الهداية، قال في تلك الرسالة (5/ 100) :"وَلَكِنَّ كَثِيرًاَ مِنْ النَّاسِ قَدْ صَارَ مُنْتَسِبًا إلَى بَعْضِ طَوَائِفِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَمُحْسِنًا لِلظَّنِّ بِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَمُتَوَهِّمًا أَنَّهُمْ حَقَّقُوا فِي هَذَا الْبَابِ مَا لَمْ يُحَقِّقْهُ غَيْرُهُمْ، فَلَوْ أُتِى بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعَهَا حَتَّى يُؤْتَى بِشَيْءِ مِنْ كَلَامِهِمْ، ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذَا مُخَالِفُونَ لِأَسْلَافِهِمْ غَيْرُ مُتَّبِعِينَ لَهُمْ، فَلَوْ أَنَّهُمْ أَخَذُوا بِالْهُدَى الَّذِي يَجِدُونَهُ فِي كَلَامِ أَسْلَافِهِمْ لَرُجِيَ لَهُمْ - مَعَ الصِّدْقِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ - أَنْ يَزْدَادُوا هُدًى، وَمَنْ كَانَ لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ إلَّا مِنْ طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ لَا يَتَمَسَّكُ بِمَا جَاءَتْ بِهِ مِنْ الْحَقِّ فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْيَهُودِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ:"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"، فَإِنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: لَا نُؤْمِنُ إلَّا بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ:"فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"، أَيْ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: لَا لَمَّا جَاءَتْكُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُكُمْ تَتَّبِعُونَ وَلَا لَمَّا جَاءَتْكُمْ بِهِ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ تَتَّبِعُونَ؟ وَلَكِنْ إنَّمَا تَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَكُمْ."
فَهَذَا حَالُ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ الْحَقَّ لَا مِنْ طَائِفَتِهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا، مَعَ كَوْنِهِ يَتَعَصَّبُ لِطَائِفَتِهِ بِلَا بُرْهَانٍ مِنْ اللَّهِ وَلَا بَيَانٍ"."
(1) المقصود من ذكر هذين الرجلين التمثيل فحسب، وإلا فالخلاف المنهجي بينهما واقع بين كل متسنن وكل متجهم انتسبا للأشعري.
(2) هذه الرسالة لها قصة، وذلك أنه في سنة 445 هـ جرت في نيسابور قاعدة بلاد خرسان فتنة عظيمة، سببها أن الملك طغرلبك أحد ملوك السلاجقة وكان - فيما قاله ابن عساكر - رجلًا سنيًا حنفيًا، وكان وزيره عميد الملك رجلًا رافضيًا خبيثًا، فحسَّن هذا الوزير للسلطان لعن المبتدعة على المنابر، فعند ذلك أمر السلطان بأن تلعن المبتدعة على المنابر، فاتخذ الوزير ذلك ذريعة إلى ذكر الأشعرية وصار يقصدهم بالإهانة والأذى والمنع عن الوعظ والتدريس وعزلهم عن خطابة الجامع.
فعندها ضج علماء الأشعرية، فكتب أبو القاسم القشيري إلى علماء المسلمين رسالة أسماها شكاية أهل السنة لما نالهم من المحنة، قال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى في طبقات الشافعية:"وقد جالت هذه الرسالة في البلاد وانزعجت نفوس أهل العلم منها، وقام كل منهم بحسب قوته، ودخلت بيهق فوقف عليها الحافظ البيهقى ولبى دعوتها وكتب رسالة إلى العميد".
وبعد ذلك تقضت دولة العميد هذا وقتل شر قتلة، بعد أن مات طغرلبك وتولى ابنه ألب أرسلان، واستوزر ألب أرسلان نظامَ الملك الذي نصر الأشعرية وقربهم وكان له الأثر البالغ في تقوية المذهب الأشعري.
والقصد هنا الإشارة إلى هذه الحادثة، والتفصيل موجود لمن طلبه في كتب التاريخ.
ـ [أبو عبد الرحيم الجزائري] ــــــــ [23 - 06 - 09, 02:38 ص] ـ
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)