وأما ما ذكره من أن الحجاج الذي في القرآن يكتفي به العامي وإن لم يكن فيه الغلبة والفلج فهذا الكلام يقوله مثل هذا الرجل [أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا] وأمثاله من أهل الكلام الجاهلين بحقائق ما جاء به التنزيل وما بعث به الرسول، حتى قد يقول بعضهم: إن الطريقة البرهانية ليست في القرآن، وهؤلاء جهلهم بمعاني الأدلة البرهانية التي دل عليها القرآن كجهلهم بحقائق ما أخبر به القرآن، بل جهلهم بحقائق ما دل عليه الشرع من الدلائل العقلية والمطالب الخبرية أعظم من جهلهم بما سلكوه من الطرق البدعية التي سموها عقلية.
وقد رأيت في كلام هذا الرجل وأمثاله من ذلك عجائب يخالفون بها صريح المعقول مع مخالفتهم لصحيح المنقول، ونقص علمهم وإيمانهم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد بينا في غير هذا الموضع أن الطرق التي جاء بها القرآن هي الطرق البرهانية التي تحصّل العلم في المطالب الإلهية
اللات لأهل المدينة، والعزى لأهل مكة، ومناة الثالثة الأخرى لأهل الطائف
[ينظر كتاب الأصنام لابن الكلبي ص 27]
وليس في الموجودات ما يكون وحده مولدا لشيء، بل قد خلق الله تعالى من كل شيء زوجين، وهو سبحانه الفرد الذي لا زوج له.
وإلا فالسمندل والياقوت وغيرهما لما لم تكن فيه قوة القبول لم تحرقه النار
وكذلك النظار يقولون: النتيجة لا تكون إلا عن مقدمتين ويشبهون حصول النتيجة عن المقدمتين بحصول النتاج عن الأصلين من / الحيوان لأن هذين أصلان في التوليد وهذين أصلان في التولد
وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} حتى أنه استدل بهذا طائفة من الفقهاء على أن ولد الإنسان يعتق عليه إذا ملكه، فلا يكون عبده من هذه الآية لأنه سبحانه بين تنافي التوليد والتعبيد.
[في هذا إشارة إلى أن معرفة النصوص الشرعية جميعها مهم للمجتهد، لا نصوص الأحكام فقط كما ذكر بعض الأصوليين]
فخذ أربعة من الطير ... فأمره بخلط الأطيار الأربعة مثلا مضروبا لاختلاط الأخلاط الأربعة
ومن المستقر في بدائه العقول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق الآدميين، فإذا كان فيها من الدلالة على علم خالقها وقدرته وحكمته ما بهر العقل أفلا يكون ذلك دالا على أنه قادر على إحياء الموتى لا يعيى بذلك كما لم يعي بالأول بطريق الأولى والأحرى؟
وهؤلاء المبتدعون يجهلون حقائق ما جاء به الرسول، ويعرضون عنه، ثم يحكمون بموجب جهلهم أن ليس في ذلك من البراهين من / جنس ما في كلامهم، ولو أوتوا العقل والفهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لتبينوا أنه الجامع لكل خير.
والملاحدة المنكرون للمعاد تعود شبههم كلها إلى ما ينفي علم الرب تعالى أو قدرته أو مشيئته أو حكمته، ونفي العي يثبت هذه الصفات، فتنتفي أصول شبههم
كما قال عمر رضي الله عنه: النكاح رق فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته.
ولما كان الطريق إلى الحق هو السمع والعقل، وهما متلازمان كان من سلك الطريق العقلي دله على الطريق السمعي، وهو صدق الرسول، ومن سلك الطريق السمعي بين له الأدلة العقلية كما بين ذلك القرآن، وكان الشقي المعذب من لم يسلك لا هذا ولا هذا، كما قال أهل النار {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير}
[هذه الآية من أوضح الأدلة على أن العقل والنقل لا يتعارضان؛ لأن (أو) تفيد أن أيا من الطريقين ينتهي إلى النتيجة نفسها]
والسفسطة حال يعرض لكثير من الناس إما عمدا وإما خطأ، وكثير من الناس قد ينازع في كثير من القضايا البديهية والمعارف الفطرية في الحسيات والحسابيات وكذلك في الإلهيات ومن تأمل ما يحكيه الناس من المقالات عن الناس في العلوم الطبيعية والحسابية رأى عجائب وغرائب، وبنو آدم لا ينضبط ما يخطر لهم من الآراء والإرادات فإنهم جنس عظيم التفاوت ليس في المخلوقات أعظم تفاضلا منه خيارهم خير المخلوقات عند طائفة أو من خيرها عند طائفة وشرهم شر المخلوقات أو من شرها.
لفظ الضرورة فيه إجمال فقد يراد به ما يضطر إليه الإنسان من المعلومات الظاهرة المشتركة بين الناس وقد يراد به ما يحصل في نفسه بدون كسبه، وقد يراد به ما لا يقبل الشك وقد يراد به ما يلزم نفس الإنسان لزوما لا يمكن الانفكاك عنه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)