ومن المعلوم أن الدلالات التي تسمى عقليات ليس لها ضابط، ولا هي منحصرة في نوع معين، بل ما من أمة إلا ولهم ما يسمونه معقولات.
واعتبر ذلك بأمتنا، فإنه ما من مدة إلا وقد يبتدع بعض الناس بدعا يزعم أنها معقولات.
بل أبو المعالي الجويني ونحوه ممن انتسب إلى الأشعري ذكروا في كتبهم من الحجج العقليات النافية للصفات الخبرية ما لم يذكره ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابهما كالقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثاله، فإن هؤلاء متفقون على إثبات الصفات الخبرية كالوجه واليد والاستواء.
وأن ما عارض أخباره من الأمور التي يحتج بها المعارضون ويسمونها عقليات أو برهانيات أو وجديات أو ذوقيات أو مخاطبات أو مكاشفات أو مشاهدات أو نحو ذلك من الأمور الدهاشات [كذا]
وإذا كنا في مقام بيان فساد ما يعارضون به من العقليات على وجه التفصيل فذلك ولله الحمد هو علينا من أيسر الأمور.
ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية
[المحقق: لم أتمكن من معرفة مكان هذا الأثر]
والاعتبار والقياس نوعان: قياس الطرد وقياس العكس، فقياس الطرد اعتبار الشيء بنظيره، حتى يجعل حكمه مثل حكمه، وقياس العكس اعتبار الشيء بنقيضه، حتى يعلم أن حكمه نقيض حكمه.
وقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} يتناول الأمرين، فيعتبر العاقل بتعذيب الله لمن كذب رسله، كما فعل ببني النضير حتى يرغب في نقيض ذلك، ويرهب من نظير ذلك، فيستعمل قياس الطرد في الرهبة وقياس العكس في الرغبة.
ومثل هذا كثير، قد ينفى الشيء الذي نفيه يستلزم نفي غيره، لكن تذكر تلك اللوازم على سبيل التصريح للفرق بين دلالة اللوازم ودلالة المطابقة
ولفظ التنافي والتضاد والتناقض والتعارض ألفاظ متقاربة في أصل اللغة، وإن كانت تختلف فيها الاصطلاحات، فكل مضاد فهو مستلزم للتناقض اللغوي.
ولهذا يسمي أهل اللغة أحد الضدين نقيض الآخر، وكل تعارض فهو / مستلزم للتناقض اللغوي؛ لأن أحد الضدين ينقض الآخر، أي يلزم من ثبوته عدم الآحر، كما يلزم من ثبوت السواد انتفاء البياض.
والنقيضان في اصطلاح كثير من أهل النظر هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان والضدان لا يجتمعان لكن قد يرتفعان.
وفي [اصطلاح] آخرين منهم هما: النفي والإثبات فقط، كقولكك إما أن يكون وإما أن لا يكون.
ولهذا يقولون: التناقض اختلاف قضيتين بالسلب والإيجاب، على وجه يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى، فالتناقض في عرف أولئك أعم منه في عرف هؤلاء،
ولهذا يمتنع أن يقوم دليل صحيح على باطل، بل حيث كان المدلول باطلا لم يكن الدليل عليه إلا باطلا.
ومن العجائب أنك تجد أكثر الغلاة في عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم أبعد الطوائف عن تصديق خبره وطاعة أمره، وذلك مثل الرافضة والجهمية ونحوهم ممن يغلون في عصمتهم، وهم مع ذلك يردون أخباره، وقد اجتمع كل من آمن بالرسول على أنه معصوم فيما يبلغه عن الله، فلا يستقر في خبره خطأ، كما لا يكون فيه كذب، فإن وجود هذا وهذا في خبره يناقض مقصود الرسالة، ويناقض الدليل الدال على أنه رسول الله.
وأما ما لا يتعلق بالتبليغ عن الله من أفعاله، فللناس في العصمة منه نزاع وتفصيل، ليس هذا موضعه، فمن كان من أصله أن الدلالة السمعية لا تفيد اليقين، أو أنه يقدم رأيه وذوقه على خبر الرسول، لم ينتفع بإثبات عصمته المتفق عليها، فضلا عن موارد النزاع من العصمة
وهم متنازعون في أن أول الواجبات النظر المفضي إلى العلم بحدوث العالم أو القصد إلى النظر أو الشك السابق على القصد على ثلاثة أقوال لهم معروفة.
[التوراة خلت من ذكر اليوم الآخر]
ومثل هذه المعقولات لو تُصرِّف بها في تجارة أو صناعة من الصناعات لأفسدت التجارة والصناعة، فكيف يتصرف بها في الأمور الإلهية وفي صفات رب البرية، ثم يعارض بها كلام الله الذي بعث به رسوله وأنزل به كتبه؟!
وكلما كانت العبارة أبعد عن الفهم كانوا لها أشد تعظيما، وهذا حال الأمم الضالة، كلما كان الشيء مجهولا كانوا أشد له تعظيما، كما يعظم الرافضة المنتظر الذي ليس لهم منه حس ولا خبر، ولا وقعوا له على عين ولا أثر.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)