وهذا مثل الموجود فإنه لا يقصد به أن غيره أوجده، بل يقصد به المحقق الذي هو بحيث يوجد، فكثير من الأفعال التي بنيت للمفعول واسم المفعول التابع لها قد كثر في الاستعمال حتى بقي لا يقصد به قصد فعل حادث له فاعل أصلا، بل يقصد إثبات ذلك الوصف من حيث الجملة.
وكثير من ألفاظ النظار من هذا الباب كلفظ الموجود والمخصوص والمؤلف والمركب والمحقق فإذا قالوا: إن الرب تعالى مخصوص بخصائص لا يشركه فيها غيره أو هو موجود لم يريدوا أن أحدا غيره خصه بتلك الخصائص ولا أن غيره جعله موجودا.
وبسبب ذلك تجد جماعات غلطوا في هذا الموضع في مثل هذه المسألة إذا قيل: الباري تعالى مخصوص بكذا وكذا أو مختص بكذا وكذا، قالوا: فالمخصوص لا بد له ممن خصه بذلك، والمخصص لا بد من مخصص خصصه بذلك.
[ابن رشد] لأن وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل
[لفظ المركب]
فلهذا قال أبو حامد: هذا كقول القائل كل موجود يفتقر إلى موجد، ولو قال: إلى واجد لكان أقرب إلى مطابقة اللفظ.
وهذا صحيح فإن الموجود اسم مفعول من وجد يجد فهو واجد، فإذا قال القائل: كل موجود يفتقر إلى واجد أو موجد نظرا إلى اللفظ، كان كقوله: كل مركب يفتقر إلى مركب نظرا إلى اللفظ، ولكن لفظ الموجود إنما يراد به ما كان متحققا في نفسه لا يعنى به ما وجده أو أوجده غيره، كما أنهم يعنون بالمركب هنا ما كان متصفا بصفة قائمة به أو ما كان فيه معان متعددة وكثرة لا يعنون به ما ركبه غيره، فالذي جرى لهؤلاء المغالطين في لفظ التأليف والتركيب كما جرى لأشباههم في لفظ التخصيص والتقدير فإن الباب واحد، فليتفطن اللبيب لهذا فإنه يحل عنه شبهات كثيرة.
فيقال: ألقني بقولك
[الصواب أتعني بقولك]
أو واجب الوجود الذي يطلب الفلك التشبه به بإخراج ما فيه من الأيون والأوضاع
[الأيون: جمع أَيْن]
ليتأمل اللبيب كلام هؤلاء الذين يدعون من الحذق والتحقيق ما يدفعون به ما جاءت به الرسل كيف يتكلمون في غاية حكمتهم ونهاية فلسفتهم بما يشبه كلام المجانين ويجعلون الحق المعلوم بالضرورة مردودا والباطل الذي يعلم بطلانه بالضرورة مقبولا بكلام فيه تلبيس وتدليس فإنه ذكر ما يلزم مثبة الصفات وما يلوم نفاتها
فقال: يلزم النفاة أن تكون الصفات ترجع إلى ذات واحدة فيكون مفهوم العلم والقدرة والإرادة مفهوما واحدا وأن يكون العلم والعالم والقدرة والقادر والإرادة والمريد واحدا وقد قال إن هذا عسير
قلت: بل الواجب أن يقال: أن هذا مما يعلم فساده بضرورة
والناس شنعوا على أبي الهذيل العلاف لما قال إن الله عالم بعلم وعلمه نفسه ونسبوه إلى الخروج من العقل مع أن كلامه أقل تناقضا من كلام هؤلاء
وما أعلم أحدا من نظار المسلمين يقول: كل عرض حادث وصفات الله القديمة عرض، فإن هذا تناقض بين
ولما كان كل من القولين معلوم الفساد بالضرورة -قول من أثبت ما لا يتميز بعضه عن بعض ومن أثبت ما ينقسم إلى غير نهاية- توقف من توقف من أفاضل النظار فيه فتوقف فيه أبو الحسين البصري وأبو المعالي الجويني في بعض كتبه وأبو عبد الله الرازي في نهايته.
ولولا أن هذا ليس موضع بسط الكلام في مثل هذه الأمور وإلا لكان ينبغي أن تبين أن مثل هذا الكلام من أسخف الكلام الذي ذمه / السلف والأئمة وغيرهم من العقلاء فإن هؤلاء يقولون إن الله لا يمكن أن يفني شيئا من الأجسام والأعراض بل طريق فنائها أنه لا يخلق الأعراض التي تحتاج إلى تجديد وإحداث دائما فإذا لم يحدثها عدمت الأجسام وفنيت بأنفسها لأنه لا وجود لها إلا بالأعراض ومثل هذا الكلام لو قاله الصبيان لضحك منهم.
[انتهت الفوائد المنتقاة من المجلد الثالث بحمد الله]
ـ [أحمد محمد بسيوني] ــــــــ [15 - 01 - 09, 04:30 م] ـ
جزاكم الله خيرا، نفع الله بكم.
ـ [أبو طلحة الحضرمي] ــــــــ [15 - 01 - 09, 04:49 م] ـ
جزاكم الله خيرًا ونفع الله بكم
ـ [أبو مالك العوضي] ــــــــ [16 - 01 - 09, 01:37 م] ـ
[المجلد الرابع]
أما أهل الملل فلا يضاف إليهم من حيث هم أرباب ملة إلا ما ثبت عن صاحب الملة صلوات الله عليه وسلام، أو ما أجمع عليه أهل العلم، وأما ما قاله بعض أهل الملة برأيه أو استنباطه مع منازعة غيره له فلا يجوز إضافته إلى الملة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)