[المحقق: في (ض) كأنها (والهنفري) ولم أعرف من هو، وكتب محقق (ق) ما يلي: قوله (والهندي) كذا في الأصل، وكتب بهامشه: لعله الآمدي فحرر، كتبه مصححه]
والأدلة العقلية إنما يعترض على معانيها، فإن كنت أوردت هذا سؤالا لفظيا كان قليل الفائدة، وإن كان سؤالا معنويا كان باطلا في نفسه، والقوم لما قالوا: الموجود إما أن يكون واجبا بنفسه وإما أن يكون ممكنا بنفسه جعلوا الوجود منحصرا في هذين القسمين أي جعلوا كل واحد واحد من الموجودات منحصرا في هذين القسمين.
ثم إن هؤلاء الفلاسفة يقولون - كما زعم الآمدي - إن كمال النفس الإنسانية هو الإحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات، وهم مع هذا لم يعرفوا الموجود الواجب، فأي شيء عرفوه؟!
وقد بلغني بإسناد متصل عن بعض رؤوسهم وهو الخونجي صاحب (كشف الأسرار في المنطق) وهو عند كثير منهم غاية في هذا الفن أنه قال عند الموت: أموت وما علمت شيئا إلا أن الممكن يفتقر إلى الواجب. ثم قال: الافتقار وصف عدمي، أموت وما علمت شيئا.
وذكر الثقة عن هذا الآمدي أنه قال: (أمعنت النظر في الكلام وما استفدت منه شيئا إلا ما عليه العوام) أو كلاما هذا معناه.
/ وذلك أن هذا الآمدي لم يقرر في كتبه لا التوحيد، ولا حدوث العالم، ولا إثبات واجب الوجود بل ذكر في التوحيد طرقا زيفها، وذكر طريقة زعم أنه ابتكرها، وهي أضعف من غيرها.
وكان ابن عربي صاحب الفصوص والفتوحات وغيرهما يعظم طريقته ويقول: إن الطريقة التي ابتكرها في التوحيد طريقة عظيمة أو ما هو نحو هذا، حتى أفضى الأمر ببعض أعيان القضاة الذين نظروا في كلامه إلى أن قال التوحيد لا يقوم عليه دليل عقلي وإنما يعلم بالسمع، فقام عليه أهل بلده وسعوا في عقوبته وجرت له قصة.
وكذلك الأصبهاني اجتمع بالشيخ إبراهيم الجعبري يوما فقال له: بت البارحة أفكر إلى الصباح في دليل على التوحيد سالم عن المعارض فما وجدته.
وكذلك حدثني من قرأ على ابن واصل الحموي أنه قال: (أبيت بالليل وأستلقي على ظهري وأضع الملحفة على وجهي وأبيت / أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس، وأصبح وما ترجح عندي شيء) كأنه يعني أدلة المتكلمين والفلاسفة.
الناس قبلنا قد ذكروا له [التوحيد] من الأدلة العقلية اليقينية ما شاء الله، ولكن الإنسان يريد أن يعرف ما قاله الناس، وما سبقوا إليه، وبينا أيضا أن القرآن ذكر من ذلك ما هو خلاصة ما ذكره الناس، وفيه من بيان توحيد الإلهية ما لم يهتد إليه كثير من النظار ولا العباد، بل هو الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه.
فإن كان يوجد منها
[الصواب بواحد منها]
وأما إذا قيل: كل واحد واحد فذلك أبعد لأنه يقتضي اجتماع مؤثرين مستقلين على أثر واحد وهو ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء.
فلهذا صار كلما طال الزمان أورد المتأخرون أسولة سوفسطائية لم يذكرها المتقدمون.
فمن جوز وجود جسم قديم لم يزل متحركا لا يقول: إن شيئا معينا من الحركة قديم أزلي، بل يقول: نوع الحركة أزلي، وإن كان كل منها حادثا كائنا بعد أن لم يكن مسبوقا بالعدم.
وإنما يجوّز كونَ المفعول المعلول مقارنا لفاعله طائفة قليلة من الناس، كابن سينا والرازي ونحوهما.
ولكن كون الشيء دليلا على الشيء معناه أنه يلزم من ثبوته ثبوته والشيئان المتلازمان كل منهما يصلح أن يكون دليلا على الآخر ثم من شأن الإنسان أن يستدل بالظاهر على الخفي لكن الظهور والخفاء من الأمور النسبية فقد يظهر لهذا ما لا يظهر لهذا وقد ظهر للإنسان في وقت ما يخفي عليه في وقت آخر فلهذا أمكن أن يستدل بهذا على ذاك وبذاك على هذا إذا قدر أن هذا أظهر من ذاك تارة وذاك أظهر من هذا أخرى وإما بحسب شخصين وإما بحسب حالين
وهذه المعاني من تفطن لها انجلت عنه شبه كثيرة فيما يورده الناس على الحدود والأدلة التي قد يقال إنه لا فائدة فيها ولا حاجة إليها وذاك صحيح وقد يقال: بل ينتفع بها وهذا أيضا صحيح
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)