أولًا: أن هذا الحديث ليس عمدة المرجئة في تقرير حقيقة الإيمان , لأنه من أحاديث الآحاد الظنيّة التي لا تقبل في العقيدة كما زعموا , وكذلك دلالته ظنيّة إذ الدلالات اللفظيّة ظنيّة عندهم لاحتمال المجاز والاشتراك والمعارض العقلي وغيرها.
والاستدلال بحديث ليس عمدة ولا يستقيم الاستدلال به على أصولهم لا يصح ولا يوصل لدلالته على قواعدهم.
ثانيًا: أن هذا الحديث فيه الرد عليهم في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه (21) وقد بوب عليه البخاري بابًا بعنوان:"باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال". والاستدلال به في موضع وإهماله في موضع آخر تناقض واتباع للهوى.
ثالثًا: أن هذه الرواية لم ترد إلاّ عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مع كثرة من رواه من الصحابة , وقد رواه عن أبي سعيد غير عطاء ولم يذكرها. بل إن رواية عطاء بن يسار مضطربة ففي صحيح مسلم رويت هذه العبارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وفي البخاري عن أهل الجنة مع أنه حديث واحد ومخرجه واحد.
رابعًا: أن الروايات التي لم تُذكر فيها الزيادة أرجح ورواتها أكثر من تلك , وهي موافقة للأصول القطعية من أنه لن يدخل الجنة إلا مؤمن , وأن الإيمان قول وعمل (22) .
خامسًا: أن ظاهر الرواية يدل على عدم التصديق , لأنه"خير"وهم لم يعملوا خيرًا قط , فاستثناء التصديق ليس عليه دليل , وإذا جاز استثناؤه فيصح استثناء قول اللسان وعمل القلب والجوارح من حيث جنسها لا نوعها.
سادسًا: أن يحمل النفي في قوله"لم يعملوا خيرًا قط"على نفي الكمال الواجب لورود ما يدل على أنهم عملوا خيرًا في الروايات الأخرى.
ثانيًا: الرد على مرجئة الفقهاء ومن وافقهم.
استدل بهذا الحديث من يرى عدم اشتراط العمل الظاهر في حقيقة الإيمان , وزعموا أن الإيمان المنجي هو تصديق القلب وعمله وقول اللسان.
والرد عليهم من وجوه:
أولًا: أن الروايات التي ليس فيها هذه الزيادة أرجح , وقد تقدم بيان ذلك , وقد ثبت فيها أن الجهنميين من أهل الصلاة.
ثانيًا:
أن رواية الزيادة لم ترد في طرق الحديث إلا عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مما يدل على أنها غير محفوظة , وقد تقدم بيان ذلك.
ثالثًا:أن يجمع بين الروايات فيحمل النفي في الزيادة على نفي الكمال الواجب كما قال ابن خزيمة:"هذه اللفظة: (لم يعملوا خيرًا قط) من الجنس الذي تقول العرب بنفي الاسم عن الشيء لنقصه من الكمال والتمام , فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل لم يعملوا خيرًا قط على التمام والكمال , لا على ما أوجب عليه وأمر به" (23) .
ويشهد لهذا القول حديث"ارجع فصل فإنك لم تصل", وقاتل المائة جاء عنه"أنه لم يعمل خيرًا قط"مع كونه تائبًا وشرع في الهجرة إلى الأرض الصالحة.
وهذا أمر سائغ في لغة العرب يقولون: أنت لست بولدي ولا يريد نفي البنوة عنه بالمرة بل يريد لست بولدي الطائع لأن من صفات الولد الطاعة لأبيه.
ومراتب النفي هي: نفي الوجود أو الصحة أو الكمال , وحمله على الأول والثاني يلزم منه نفي قول اللسان وعمل القلب لأنها تدخل في عموم"العمل"و"الخير", وإذا استثنوا قول اللسان وعمل القلب بنصوص خارج الحديث فإن روايات الحديث يمكن أن يستثنى بها عمل الجوارح ويحمل النفي على الكمال.
ومن زعم أن العمل في الزيادة يراد به عمل الجوارح دون عمل القلب فهذا زعم لا دليل عليه.
وقد أخرجوا عمل القلب من عموم الزيادة بالروايات الدالة على خروج من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان
وهذا صحيح ينضاف إلى عمل الجوارح الخارج بكونهم من أهل السجود والصلاة.
وزعم بعض الشراح (24) أن المراد بالسجود الوجه , وهذا إذا اقتضى نفي كونهم من أهل الصلاة ففاسد , ولهذا رواه البخاري في كتاب صفة الصلاة في باب فضل السجود مما يدل أنه فهم من السجود سجود الصلاة
رابعًا: أن يقال: إن الرواية تدل على حالة غيبيّة مخصوصة لا تعارض الأصل الثابت. فهؤلاء لقلة عملهم و خفائه لا يستطيع أهل الجنة معرفتهم عندما يأذن لهم الله تعالى في إخراج أهل الذنوب ممن دخل النار.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)