فمن طلب العلم للعمل كسره العلم، وبكى على نفسه، ومن طلب العلم للمدارس والافتاء والفخر والرياء، تحامق، واختال، وازدرى بالناس، وأهلكه العجب، ومقتته الانفس * (قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها) * [الشمس: 9 و 10] أي: دسسها بالفجور والمعصية. اهـ
ـ ومن النّماذج الدّالة على تبحّر هذا الحبر الشّارح أنّه وُفِّق للإجابة على ما تعجّب منه غيره من صنيع الإمام البخاري.بوّب الإمام البخاري في صحيحه: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. وممّا ذكر فيه قوله: وقال ابن أبي مُليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلّم كلّهم يخاف النّفاق على نفسه. ما منهم أحد يقول إنّه على إيمان جبريل وميكائيل. ويُذكرُ عن الحسن: ما خافه إلاّ مؤمن، ولا أمنه إلاّ مُنافق ...
قلتُ: قال الإمام ابن رجب في شرحه للبخاري فتح الباري 1/ 195: والعجب من قوله في هذا [أيّ أثر الحسن] ويُذكر وفي قوله الذّي قبله وقال ابن أبي مُليكة جزمًا. اهـ يعني كيف يُصدَّرُ الصّحيح بصيغة التّمريض التّي حَقُّها أن تُصدَّرَ للضَّعيف وكيف يجزم بالأثر الذّي في إسناده الصّلت الذّي فيه ضعف.
ـ لكن تبحّر الحافظ جعلهُ يجيبُ قائلًا 1/ 148: قوله: [ويُذكرُ عن الحسن] هذا التّعليق وصله جعفر الفريابي في كتاب صفة المنافق له من طرق متعدّدة بألفاظ مختلفة. قال: وقد يُستَشكلُ ترك البخاري الجزم به مع صحّته عنه، وذلك محمول على قاعدة ذكرها لي شيخنا أبو الفضل بن الحُسين الحافظ رحمه الله وهي: أنّ البخاري لا يخصّ صيغة التّمريض بضعف الإسناد، بل إذا ذكر المتن بالمعنى أو اختصره أتى بها أيضًا، لما عُلِم من الخلاف في ذلك، فهنا كذلك. اهـ.
ـ ونجدُ الحافظ رحمه الله يستنكر الأقوال التّي لا سلف لمُدَّعيها قال في الفتح 1/ 195: وقد أعاد الكِرمانيّ هذا الكلام في شرحه مِرارًا، ولم أجد له سلفًا في ذلك.والله المُستعان. اهـ
ـ وقال في مناقشة كلامٍ لابن الصّلاح رحمه الله كما في التّدريب ص114: وهذا إذا انضمّ إلى ما قبله من أنّه لا سلف فيما ادّعاه، وعمل أهل عصره ومن بعدهم على خلاف ما قال انتهض دليلًا للردِّ عليهِ. اهـ يعني على ابن الصّلاح.
ـ ومِمَّا ينبغي التنبُّهُ له عند محاولة بيان منهج البخاري بواسطة كلام الحافظ أنّ ابن حجر رحمه الله رُبّما قرّر تقعيدًا في موضعٍ ما وأعاده في موضعٍ آخر بإضافة قيودٍ لابُدّ منها لم يذكرها في الموضع السّابق. وهذا من تصرّفات العلماء يطلقون في مواضع ويقيّدون في أخرى ويجملون في موضع و يبيّنون في موضع آخر.
ـ ومن أمثلته:
ـ قال الحافظ في الفتح 1/ 114: الفائدة الثّانية: تقرّر البخاري أنّه لا يعيد الحديث إلاّ لفائدة، لكن تارة تكون في المتن، وتارة في الإسناد، وتارة فيهما. وحيث تكون في المتن خاصّة لا يعيده بصورته بل يتصرّف فيه، فإن كثرت طرقه أورد لكلّ بابٍ طريقًًا، وإن قَلَّت اختصر المتن أو الإسناد. اهـ
ـ و قال الحافظ في الفتح 1/ 21 في معرضِ ردّه على الكِرماني: وكأنّه لم يطّلع على حديثٍ أخرجه البخاري بسند واحد من ابتدائه إلى انتهائه فساقه في موضع تامًّا وفي موضع مقتصرًا على بعضه، وهو كثير جدًّا في الجامع الصّحيح، فلا يرتاب من يكون الحديث صناعته أنّ ذلك من تصرّفه،لأنّه عُرِف بالاستقراء من صنيعه أن لا يذكر الحديث الواحد في موضعين على وجهين، بل إن كان له أكثر من سند على شرطه ذكره في الموضع الثّاني بالسّند الثّاني وهكذا مابعده، ومالم يكن على شرطه يعلّقه في الموضع الآخر تارة بالجزم إن كان صحيحًا وتارة بغيره إن كان فيه شيء، وما ليس له إلاّ سند واحد يتصرّف في متنه بالاقتصار على بعضه بحسب ما يتّفق، ولا يوجد فيه حديث واحد مذكور بتمامه سندًا وتنًا في موضعين أو أكثر إلاّ نادِرًا، فقد عنِيَ بعض من لقيتُهُ بتتبُّع ذلك فحصل منه نحو عشرين موضعًا. اهـ.
ـ فقوله في الموضع الأوّل: فإن كثرت طرقه أورد لكلّ بابٍ طريقًا. مقيّدٌ بقوله:
بل إن كان له أكثر من سند على شرطه ذكره في الموضع الثّاني بالسّند الثّاني وهكذا مابعده ومالم يكن على شرطه يعلّقه في الموضع الآخر ...