وليس على ما ذ كره المعترض. بل الذين لم يشترطوا على الإسلام مزيدًا لم يشترطوا ثبوت العدالة ظاهرًا، بل اكتفوا بعدم ثبوت ما ينافى العدالة، فمن ظهر منه ما ينافى العدالة لم يقبلوا شهادته ولا روايته، وأما من اشترط العدالة وهم أكثر العلماء فاشترطوا في العدالة المروءة، ولم يختلف قول مالك وأصحابه في اشتراط المروءة في العدالة مطلقا.
وإنما تفترق العدالة في الشهادة والعدالة في الرواية: في اشتراط الحرية، فإنها ليست شرطًا في عدالة الرواية بلا خلاف بين أهل العلم كما حكاه الخطيب في الكفاية ... )) . وانظره مختصرًا في (الشذا الفياح 1/ 238) .
ربعًا: وأما الواقع الحديثي، فلا أدري ما هي دلالته على رأي الحاج عيسى؟ هل الواقع الحديثي دلَّ على العلم بعدم اشتراط المروءة؟ أم دلَّ على عدم العلم باشتراط المروءة؟ وفرقٌ كبير بين العلم بعدم الشيء وبين عدم العلم بالشيء.
فإن كان الأول: فأين هي نصوص نقَّاد الحديث الدالَّة على عدم اشتراط المروءة؟ وعلى القول بوجود هذه النصوص فما المانع أن تكون غاية ما تدل عليه: أن هذا الأمر المعيَّن المتَكَلَّمَ بسببه في الراوي ليس خارمًا للمروءة، لا أنها دليلٌ على عدم اعتبار المروءة في الرواية أصلًا؟
وإن كان الثاني (وهو عدم العلم باشتراط المروءة) : فكيف يقال ذلك وقد ثبت عن مالكٍ و شعبة والشافعي وابن معين وجرير بن عبد الحميد اعتبارُ المروءة في عدالة الرواة؟!
قال عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير قال: أتيتُ سماك بن حرب فرأيته يبول قائما فرجعت ولم أسأله عن شئ قلت: قد خرف. (الكامل 3/ 460)
وفي ترجمة يحيى بن منظور قال الدوري: سمعت يحيى يقول زكريا من منظور ليس بشيء فراجعته فيه مرارا فزعم أنه ليس بشيء قال وكان طفيليا. (تاريخ ابن معين 3/ 160)
وقال عنه أحمد بن صالح المصري: ليس به بأس. (ذكر من اختلف العلماء ونقاد الحديث فيه 1/ 55 - 56)
قال ابن شاهين معلقًا على هذا الخلاف: (وهذا الخلاف في زكريا يوجب التوقف لأن يحيى ذمه فروجع فيه فذمه وقال هو طفيلي. والطفيلي: الذي لا يبالي من أين كان مطعمه، ومن كانت هذه صورته في المطعم خِفْتُ أن لا يكون مأمونًا في العلم، وقد مدحه أحمد بن صالح فيوجب الوقف فيه إن شاء الله) .
فابن شاهين يوافق ابنَ معين على اعتبار هذا التطفُّل مؤثرًا على عدالة الراوي، مع أن ابن معين رَجَعَ عن تضعيفه له، لا لأنه لا يعتبر التطفُّلَ مؤثرًا، وإنما - والله أعلم - لأن هذا الأمر لم يتحقق ثبوته عنه. قال الدوري: سُئل يحيى عن زكريا بن منظور فقال: لا بأس به، فقلت: قد سألتك عنه مرة فلم أرك فيه جيد الرأي، أو نحو هذا من الكلام، فقال: ليس به بأس وإنما كان فيه شيء زعموا أنه كان طفيليًا). (تاريخ ابن معين 3/ 219)
خامسًا: إن العلماء الذين تعقَّبوا شعبة في تضعيفه لبعض الرواة بشيءٍ من خوارم المروءة لم ينصُّوا على تفرُّدِه بالتضعيف بها، وإنما ناقشوه في أن هذه الأوصاف المحدَّدة التي ضعَّف بها ليستْ مؤثِّرةً على عدالة هؤلاء الرواة، وهذا تسليمٌ منهم بأصل المسألة، وأما خلافهم فإنه في الأمثلة.
ألا يمكن أن يكون هذا تفسيرًا مقبولًا لاعتراض مَن اعترض على شعبة؟!
هذا ويتساءل كلُّ حريص على العلم: لماذا لم يوْفِ الحاج عيسى المسألةَ حقَّها وهو يتصدَّى للردِّ على مخالفِه فيها؟! ولماذا لم يعرِّج على هذه الاعتراضات على قوله؟! أم أنها اعتراضاتٌ ظاهرة البطلان عنده؟! أمِ المقامُ ليس مقام ذكرها و الجواب عنها، وإنما الأهم منها تدوينُ رأيِ الحاج عيسى! لأنه ضالة طالب العلم التي يحرص عليها في المقام الأول!
ـ [رجل من أقصى المدينة] ــــــــ [25 - 10 - 07, 02:25 ص] ـ
وأما مسألة الجوزجاني وموقفه من رواية المبتدع فإن قول الحاج عيسى فيها من أعجب العجب! وأغرب الكلام!
حتى ظننتُ أن في الكلام سقطًا! إلا أن سياق الكلام لا يدل على سقط.
قال الحاج عيسى:
قال الجوزجاني في أحوال الرجال (32) : «ومنهم زائغ عن الحق صدوق اللهجة، قد جرى في الناس حديثه، إذ كان مخذولا في بدعته مأمونا في روايته، فهؤلاء عندي ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يعرف إذا لم يقو به بدعته فيتهم عند ذلك» .