ثم قال: (وكان مسلم بن الحجاج في مثل هذا ربما يسقط المجروح من الاسناد ويذكر الثقة ثم يقول:(وآخر) كناية عن المجروح؛ وهذا القول لا فائدة فيه لأنه إن كان ذِكْر الآخر لأجل ما اعتللنا به [يعني عدم جواز اسقاط اسم المجروح] فإن خبر المجهول لا يتعلق به الأحكام وإثبات ذكره [أي بلفظة وآخر] وإسقاطه سواء، إذ ليس بمعروف؛ وان كان عول على معرفته هو به فلمَ ذكره بالكتابة عنه وليس بمحل الأمانة عنده؟ ولا أحسب إلا استجاز إسقاط ذكره والاقتصار على الثقة لأن الظاهر اتفاق الروايتين على أن لفظ الحديث غير مختلف واحتاط مع ذلك بذكر الكناية عنه مع الثقة تورعًا وإن كان لا حاجة إليه، والله أعلم). انتهى كلام الخطيب رحمه الله.
قلت: أظن مسلمًا لم يكن يفعل ذلك في طبقة شيوخه، ولكن في الطبقات الأخرى، وممن كان يكني عنه بالصيغة السابقة (ابن لهيعة) .
وهذا من حسن صنيع مسلم وكمال أمانته، فإنه لم يستحسن حذفه فيغير سياق الرواية تغييرًا كبيرًا وقد يكون ضارًا، ولم يستحسن ذكره صريحًا فيظن ظان أنه يحتج به أو يستشهد به؛ وهو إنما علم أن اللفظ للثقة الذي سماه فسماه وذكر المقرون به، بالكناية عنه، فحقق المقصود واحترز مما يحذر.
وليس هذا تدليسًا، لأنه لا إيهام فيه؛ ومسلم مشهور بتدقيقه في الألفاظ وتمييزه الاختلاف الواقع بين روايات الحديث الواحد عندما يجمعها في سياق واحد.
وأقول تكميلًا لكلام الخطيب: ومما هو أدعى إلى عدم الإسقاط أن يكون الثقة مدلسًا وقد عنعن ففي تلك الحالة يقوم الاحتمال على أنه قد سمعه من ذلك المجروح فدلسه، فتابع أحدهما الآخر فسمعهما الراوي عنهما فقرن بينهما في سياق الإسناد ووحد المتن.
أضرار تدليس الأسماء
قال ابن دقيق العيد رحمه الله:
(فيه [أي تدليس اسم الشيخ الثقة] مفسدة من جهة أنه قد يخفى فيصير الراوي المدلس مجهولًا لا يُعرف فيسقط العمل بالحديث مع كونه عدلًا في نفس الأمر.
قال ابن حجر في (النكت) : وقد نازعته في كونه يصير مجهولًا عند الجميع، لكن من مفسدته أن يوافق ما يدلَّس به شهرة راو ضعيف يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه، فيصير الحديث من أجل ذلك ضعيفًا وهو في نفس الأمر صحيح؛ وعكس هذا في حق من يدلس الضعيف ليخفي أمره فينتقل عن رتبة من يُرَدُّ خبره مطلقًا إلى رتبة من يتوقف فيه. فإن صادف شهرة راو ثقة يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه فمفسدته أشد؛ كما وقع لعطية العوفي في تكنيته محمد بن السائب الكلبي أبا سعيد، فكان إذا حدث عنه يقول: حدثني أبو سعيد فيوهم أنه أبو سعيد الخدري الصحابي رضي الله عنه لأن عطية كان لقيه وروى عنه؛ وهذا أشد ما بلغنا من مفسدة تدلس الشيوخ.
وأما ما عدا ذلك من تدليس الشيوخ، فليس فيه مفسدة تتعلق بصحة الإسناد وسقمه، بل فيه مفسدة دينية فيما إذا كان مراد المدلس إيهام تكثير الشيوخ لما فيه من التشبع---.
ونظيره في تدليس الإسناد أن يوهم العلو وهو عنده بنزول). انتهى.
أسباب تدليس الأسماء
من أسباب هذا النوع من التدليس أن يكون الشيخ المدلَّس اسمُه: مجروحًا أو مجهولًا أو صغيرًا أو قريبًا أو تكون أحاديثه مشهورة متداولة قد سمعها أكثر الحاضرين في مجلس المدلس، أو مجلس غيرِه، أو يكون المدلس مكثرًا عن ذلك الراوي فيغير تسميته دفعًا للتكرار.
وبعبارة أخرى: سبب تدليس الإسناد إرادة إخفاء حقيقة الراوي وإيهام أن الحديث لراو آخر غيره؛ إما بسبب صغره أو قربه أو رغبة الناس عن حديثه أو كراهته أو الخوف من ذكره عند من يعاديه أو كذبه أو تركه أو ضعفه، وذلك أن قومًا سمعوا الحديث من ضعفاء لهم أسماء أو كنى مشهورة عرفوا بها فلو صرحوا بأسمائهم المشهورة وكناهم المعلومة لم يُشتغَل بحديثهم فأتوا بالإسم الخامل وبالكنية المجهولة ليبهموا الأمر ولئلا يعرف ذاك الراوي وضعفه فيزهد في حديثهم.
ـ [محمد خلف سلامة] ــــــــ [11 - 03 - 06, 02:51 ص] ـ
النوع الرابع
تدليس البلاد
هذا النوع يشبه تدليس الشيوخ، ومثاله ما إذا قال المصري: (حدثني فلان بالأندلس) وأراد موضعًا بالقرافة؛ أو قال: (بزقاق حلب) وأراد موضعًا بالقاهرة؛ أو قال البغدادي: (حدثني فلان بما وراء النهر) وأراد نهر دجلة، أو قال: (بالرقة) وأراد بستانًا على شاطئ دجلة؛ أو قال الدمشقي: (حدثني فلان بالكرك) وأراد كرك نوح، وهو بالقرب من دمشق.
وحكْمه الكراهة، لأنه يدخل في باب التشبع بغير المُعطى، وإيهام الرحلة في طلب الحديث.
وهم إنما يفعلون تدليس البلاد لإيهام الرحلة أو ليكون البلد المتوهَّم قرينة تُوْهم أن شيخ ذلك المدلس، أو شيخ شيخه، هو أحد مشاهير محدثي ذلك البلد المتوهَّم، مع أنه - في الحقيقة - غيره ولكنه يشاركه في التسمية، دون البلد.
أسباب
تدليس البلاد
غرض من يفعل هذا النوع من التدليس قد اتضح مما تقدم، وهو إخفاء حقيقة موضع التحمل وإيهام أنه موضع آخر؛ إما لإيهام الرحلة أو إيهام السماع من راو شهير من أهل ذلك البلد المراد توهم السماع فيه أو إيهام قدم السماع أو غير ذلك.