فلا روحه يوما أراح من العنا ... ولم يكتسب حمدا ولم يدّخر أجرا «1»
كما كان يحب العزلة عن الناس والانفراد بالكتب، وأولها القرآن الكريم. يقول في ذلك:
أعاذل ذرني وانفرادي عن الورى ... فلست أرى فيهم صديقا مصافيا
نداماي كتب أستفيد علومها ... أحبائي تغني عن لقائي الأعاديا
أنسها القرآن فهو الذي به ... نجاتي إذا فكّرت أو كنت تاليا «2»
ولم يكن أبو حيان مبرزا في العربية وآدابها فحسب، بل كان ملما بلغات أخرى مما ساعده على الاتساع في المعرفة، فقد كان يجيد اللغتين الفارسية والتركية، كما أتقن الحبشية، وليس أدل على إتقانه هذه اللغات من أنه ألف كتبا في نحو اللغتين الفارسية والتركية، الأول بعنوان «منطق الخرس بلسان الفرس» ، والثاني بعنوان «كتاب الإدراك في لسان الأتراك» ، وأما رسالته في الحبشية «نور الغبش في لسان الحبش» فلم يتمها «3» .
وكان لأبي حيان شعر ونظم كثير، وله مشاركات عديدة في الموشحات الأدبية، وترى الدكتورة خديجة الحديثي «4» أنه بعد الرجوع إلى المصادر القديمة التي ضمت أكثر شعر أبي حيان نجد أن معظم شعره ليس بالجيد، وإنما هو شعر العلماء الذي تغلب عليه الصنعة وإدخال مصطلحات العلوم، ثم دللت على ذلك بقول أبي الفداء «5» فيه: «وله نظم ليس على قدر
(1) المصدر نفسه 2/ 564، والكتيبة الكامنة 84، والإحاطة في أخبار غرناطة 3/ 58، وتكملة الديوان 452
(2) نفح الطيب 2/ 572، وتكملة الديوان 489 - 490.
(3) ينظر: مقدمة محقق تذكرة النحاة ص 12.
(4) ينظر: أبو حيان النحوي ص 79.
(5) هو أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، ولد سنة 700 هـ، ونشأ بدمشق، وتوفي بها سنة 774 هـ. من تصانيفه: تفسير القرآن العظيم، والبداية-