الرحم عليهما يقتضي تحريم الجمع. وإلى هذا الإبطال أشار تعالى بقوله: {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ?لأُنثَيَيْنِ أَمَّا ?شْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ?لأُنثَيَيْنِ} أي فلو كانت العلة الذكورة لحرم كل ذكر. ولو كانت الأنوثة لحرمت كل أنثى. ولو كانت اشتمال الرحم عليهما لحرم الجميع. وكون ذلك تعبديًا يقتضي أن الله وصاكم به بلا واسطة. إذ لم يأتكم منه رسول بذلك. فدل ذلك على أنه باطل أيضًا، وأشار تعالى إلى بطلانه بقوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّـ?كُمُ ?للَّهُ بِهَـ?ذَا} لم بين أن ذلك التحريم بغير دليل من أشنع الظلم، وأنه كذب مفتري وإضلال بقوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ?فْتَرَى? عَلَى ?للَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ ?لنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ?للَّهَ لاَ يَهْدِي ?لْقَوْمَ ?لظَّـ?لِمِينَ} ثم أكد عدم التحريم في ذلك بقوله: {قُل لاَ أَجِدُ فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى? طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ?للَّهِ بِهِ} .
والحاصل ـ أن إبطال جميع الأوصاف المذكورة دليل على بطلان الحكم المذكور كما أوضحنا. ومن أمثلة السبر والتقسيم في القرآن قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ?لْخَـ?لِقُونَ} فكأنه تعالى يقول: لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح. الأولى ـ أن يكونوا خُلقوا من غير شيء أي بدون خالق أصلًا. الثانية ـ أن يكونوا خلقوا أنفسهم. الثالثة ـ أن يكون خلقهم خالق غير أنفسهم. ولا شك أن القسمين الأولين باطلان، وبطلانهما ضروري كما ترى، فلا حاجة إلى إقامة الدليل عليه لوضوحه. والثالث ـ هو الحق الذي لا شك فيه، وهو جل وعلا خالقهم المستحق منهم أن يعبدوه وحده جل وعلا.
واعلم أن المنطقيين والأصوليين والجدليين كل منهم يستعملون هذا الدليل في غرض ليس هو غرض الآخر من استعماله، إلا أن استعماله عند الجدليين أعم من استعماله عند المنطقيين والأصوليين.
المسألة الثانية
اعلم أن مقصود الجدليين من هذا الدليل معرفة الصحيح والباطل من أوصاف محل النزاع،
وهو عندكم يتركب من أمرين: الأول ـ حصر أوصاف المحل. والثاني ـ إبطال الباطل منها وتصحيح الصحيح مطلقًا، وقد تكون باطلة كلها فيتحقق بطلان الحكم المستند إليها، كآية {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ} المتقدمة. وقد يكون بعضها باطلًا وبعضها صحيحًا: كآية «مريم والبقرة، والطور» التي قدمنا إيضاح هذا الدليل في كل واحدة منها. وهذا الدليل أعم نفعًا، وأكثر فائدة على طريق الجدليين منه على طريق الأصوليين والمنطقيين.
المسألة الثالثة
اعلم أن السبر والتقسيم عند الأصوليين يستعمل في شيءٍ خاص، وهو استنباط علة الحكم الشرعي بمسلك السبر والتقسيم. وضابط هذا الملك عند الأصوليين أمران: الأول ـ هو حصر أوصاف الأصل المقيس عليه بطريق من طرق الحصر التي سنذكر بعضها إن شاء الله تعالى. والثاني ـ إبطال ما ليس صالحًا للعلة بطريق من طرق الإبطال التي سنذكر أيضًا بعضها إن شاء الله تعالى. وزاد بعضهم أمرًا ثالثًا ـ وهو الإجماع على أن حكم الأصل معلل في الجملة لا تعبدي، والجمهور لا يشترطون هذا الأخير، والحاصل ـ أن هذا الدليل يتركب عند الأصوليين من أمرين. الأول ـ حصر أوصاف المحل. والثاني ـ إبطال ما ليس صالحًا للعلة، فإن كان الحصر والإبطال معًا قطعيين فهو دليل قطعي، وإن كانا ظنيين أو أحدهما ظنيًا فهو دليل ظني. ومثال ما كان الحصر والإبطال فيه قطيعين قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ?لْخَـ?لِقُونَ} لأن حصر أوصاف المحل في الأقسام الثلاثة قطعي لا شك فيه، لأنهم إما إن يخلقوا من غير شيء أو يخلقوا أنفسهم أو يخلقهم خالق غير أنفسهم. ولا رابع البتة. وإبطال القسمين الأولين قطعي لا شك فيه: فيتعين أن الثالث حق لا شك فيه. وقد حذف في الآية لظهوره. فدلالة هذا السبر والتقسيم على عبادة الله وحده قطعية لا شك فيها، وإن كان المثال بهذه الآية للقطعي من هذا الدليل إنما يصح على المراد به عند الجدليين دون الأصوليين، لأن المراد التمثيل للقطعي من هذا الدليل ولو بمعناه الأعم، والقعطي منه لا يمكن الاختلاف فيه. وأما الظني فإن العلماء
(يُتْبَعُ)