يختلفون فيه لاختلاف ظنون المجتهدين عند نظرهم في المسائل. وقد اختلفوا في الربا في أشياء كثيرة كالتفاح ونحوه. والنورة ونحوها بسبب اختلافهم في إبطال ما ليس بصالح فيقول بعضهم: هذا وصف يصح إبطاله، ويقول الآخر: هو ليس بصالح فيلزم إبطاله كقولهم مثلًا في حصر أوصاف البر الذي هو الأصل مثلًا المحرم فيه الربا إذا أريد قياس الذرة عليه مثلًا، أما أن يكون علة تحريم الربا في البر الكيل أو الطعم أو الاقتيات والادخار أو همًا وغلبة العيش به أو المالية والملكية يقول المالكي غير الاقتيات والادخار باطل، ويدعى أن دليل بطلانه عدم الاطراد الذي هو النقض. ويقول الحنفي والحنبلي غير الكيل من تلك الأوصاف باطل، والكيل هو العلة هي مناط الحكم، ويستدل على ذلك بأحاديث كحديث حيان بن عبيد الله عند الحاكم، وفيه بعد ذكر الستة التي يمنع فيها الربا. وكذلك كل ما يكال أو يوزن وبالحديث الصحيح الذي فيه. وكذلك الميزان كما قدمناه مستوفى في سورة البقرة في الكلام على آية الربا. ويقول الشافعي غير الطعم باطل، والعلة في تحريم الربا في البر الطعم، ويستدل بحديث معمر بن عبد الله عند مسلم «الطعام بالطعام مثلًا بمثل» الحديث كما تقدم إيضاحه أيضًا في البقرة. وهذا النوع من القياس الذي يختلف المجتهدون في العلة فيه هو المعروف عند أهل الأصول بمركب الأصل، وأشار إليه في مراقي السعود بقوله: وإن يكن لعلتين اختلفا تركب الأصل لدي من سلفا
وأشار إلى مركب الوصف بقوله:
مركب الوصف إذا الخصم منع وجود ذا الوصف في الأصل المتبع
والقياس المركب بنوعه المذكورين لا تنهض الحجة به على الخصم خلافًا لبعض الجدليين. وإلى كون رده بالنسبة للخصم المخالف هو المختار. أشار في مراقي السعود بقوله: ورده انتفى وقيل يقبل وفي التقدم خلاف ينقل
والضمير في قوله «ورده» راجع إلى المركب بنوعيه وهذا هو الحق. فلا تنهض الحجة بقول الشافعي إن العلة في تحريم الربا في البر الطعم ـ على الحنفي والحنبلي القائلِينِ إنها الكيل كالعكس وهكذا. أما في حق المجتهد ومقلَّديه فظنه المذكور حجة ناهضة له ولمقلديه. واعلم أن لحصر أوصاف المحل طِرقًا. منها أنْ يكون الحصر عقليًا كما قدمنا في آية {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ?لْخَـ?لِقُونَ} . وكقولك: إما أنْ يكون النَّبي صلى الله عليه وسلم عالمًا بهذا الأمر الذي تدعو الناس إليه أو غير عالم به: كما يأتي إيضاحه. فأوصاف المحل محصورة في الأمرين المذكورين إذ لا ثالث البتة. أنه لا واسطة بين الشيء ونقيضه كما هو معروف. ومنها أن يدل على الحصر المذكور إجماع. ومثل له بعض الأصوليين بإجبار البكر البالغة على النكاح عند من يقول به. فإن علة الإجبار إما الجهل بالمصالح، وإما البكارة: فإن قال المعترض: أين دليل حصر الأوصاف في الأمرين؟ أجيب ـ بأنه الإجماع على عدم التعليل بغيرهما، فلو ادعى المستدل حصر أوصاف المحل، فقال المعترض: أين دليل الحصر؟ فقال المستدل: بحثتُ بحثًا تامًا عن أوصاف المحل فلم أجد غير ما ذكرت، أو قال: الأصل عدم غير ما ذكرت، فالصحيح أن هذا يكفيه في إثبات الحصر. فإن قال المعترض: أنا أعلم وصفًا زائدًا لم تذكره. قيل له: بينه، فإن لم يبينه سقط اعتراضه. وإن بيَّن وصفًا زائدًا على الأوصاف التي ذكرهما المستدل بطل حصر المستدل بمجرد إبداء المعترض الوصفَ الزائد. إلا أن يبين المستدل أنه لا يصلح العلية فيكون إذا وجوده وعدمه سواءً. وقول من قال: إنه لا يكفيه قوله، بحثتُ فلم أجد غير هذا ـ خلاف التحقيق. وأشار في مراقي السعود إلى هذا المسلك من مسالك العلة بقوله: والسبر والتقسيم قسم رابع أن يحصر الأوصاف فيه جامع
ويبطل الذي لها لا يصلح فما بقي تعيينه متضح
معترض الحصر في دفعه يرد بحثت ثم بعد بحثي لم أجد
أو انعقاد ما سواها الأصل وليس في الحصر لظن حظل
وهو قطعي إذا ما نميا للقطع والظني سواه وعيا
حجية الظني عند الأكثر في حق ناظر وفي المناظر
إن يبد وصفًا زائدًا معترض وفي به دون البيان الغرض
وقطع ذي السبر إذًا منحتم والأمر في إبطاله منبهم
وقوله في هذه الأبيات «في حق ناظر وفي المناظر» محله ما لم يدع المناظر علة غير اعلته،
(يُتْبَعُ)