والثاني ـ هو اختيار تلك الأوصاف المحصورة، وإبطال ما هو باطل منها وإبقاء ما هو صحيح منها كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى. وهذا الأخير هو المعبر عنه عند الأصوليين «بالسبر» ، وعند الجدليين «بالترديد» ، وعند المنطقيين، بالاستثناء في الشرطي المنفصل. والتقسيم الصحيح في هذه الآية الكريمة يحصر أوصاف المحل في ثلاثة، والسبر الصحيح يبطل اثنين منها ويصحح الثالث. وبذلك يتمم إلقام العاص بن وائل الحجر في دعواه: أنه توتى يوم القيامة مالًا وولدًا.
أما وجه حصر أوصاف المحل في ثلاثة فهو أنا نقول: قولك إنك تؤتي مالًا وولدًا يوم القيامة لا يخلو مستندك فيه من واحد من ثلاثة أشياء:
الأول ـ أن تكون اطلعت على الغيب، وعلمت أن إيتاءك المال والولد يوم القيامة مما كتبه الله في اللوح المحفوظ.
والثاني ـ أن يكون الله أعطاك عهدًا بذلك، فإنه إن أعطاك عهدًا لن يخلفه.
الثالث ـ أن تكون قلت ذلك افتراءً على الله من غير عهد ولا اطلاع غيب.
وقد ذكر تعالى القسمين الأولين في قوله: {أَطَّلَعَ ?لْغَيْبَ أَمِ ?تَّخَذَ عِندَ ?لرَّحْمَـ?نِ عَهْدًا} مبطلًا لهما بأداة الإنكار. ولا شك أن كلا هذين القسمين باطل. لأن العاص المذكور لم يطلع الغيب. ولم يتخذ عند الرحمن عهدا. فتعين القسم الثالث وهو أنه قال ذلك افتراءً على الله. وقد أشار تعالى إلى هذا القسم الذي هو الواقع بحرف الزجر والردع وهو قوله، {كَلاَّ} أي لأنه يلزمه ليس الأمر كذلك، لم يطلع الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهدًا، بل قال ذلك افتراءً على الله، لأنه لو كان أحدهما حاصلًا لم يستوجب الردع عن مقالته كما ترى. وهذا الدليل الذي أبطل به دعوى ابن وائل هذه هو الذي أبطل به بعينه دعوى اليهود: أنهم لن تمسَّهم النار إلا أيامًا معدودة في سورة «البقرة» ، وصرح في ذلك بالقسم الذي هو الحق، وهو أنهم قالوا ذلك كذبًا من غير علم. وحذف في «البقرة» قسم اطلاع للغيب المذكور في «مريم» لدلالة ذكره في «مريم» على قصده في «البقرة» كما أن كذبهم الذي صرح به في «البقرة» لم يصرح به في «مريم» لأن ما في «البقرة» يبين ما في «مريم» لأن القرآن العظيم يبين بعضه بعضًا. وذلك في قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ?لنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ?للَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ ?للَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ?للَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فالأوصاف هنا هي الأوصاف الثلاثة المذكورة في «مريم» كما أوضحنا، وما حذل منها يدل عليه ذكره في «مريم» فاتخاذ العهد ذكره في «البقرة ومريم» معًا والكذب في ذلك على الله صرح به في «البقرة» بقوله: {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ?للَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وأشار له في «مريم» بحرف الزجر الذي هو {كَلاَّ} واطلاع الغيب صرح به في «مريم» وحذفه في «البقرة» لدلالة ما في «مريم» على المقصود في «البقرة» كما أوضحنا.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة.
المسألة الأولى
اعلم أن هذا الدليل الذي هو السبر والتقسيم تكرر وروده في القرآن العظيم، وقد ذكرنا الآن مثالين لذلك أحدهما في «البقرة» والثاني في «مريم» كما أوضحناه آنفًا. وذكر السيوطي في الإتقان في كلامه على جدل القرآن مثالًا واحدًا للسبر والتقسيم، ومضمون المثال الذي ذكره باختصار، هو ما تضمنه قوله تعالى: {ثَمَـ?نِيَةَ أَزْوَ?جٍ مِّنَ ?لضَّأْنِ ?ثْنَيْنِ وَمِنَ ?لْمَعْزِ ?ثْنَيْنِ} ، فكأن الله يقول للذين حرموا بعض الإناث كالبحائر والسوائب دون بعضها، وحرموا بعض الذكور كالحامي دون بعضها: لا يخلو تحريمكم لبعض ما ذكر دون بعضه من أن يكون معللًا بعلة معقولة أو تعبديًا. وعلى أنه معلل بعلة فإما أن تكون العلة في المحرم من الإناث الأنوثة، ومن الذكور الذكورة. أو تكون العلة فيهما معًا التخلق في الرحم، واشتمالها عليهما، هذه هي الأقسام التي يمكن ادعاء إناطة الحكم بها. ثم بعد حصر الأوصاف بهذا التقسيم نرجع إلى سبر الأقسام المذكورة. أي اختبارها ليتميز الصحيح من الباطل فنجدها كلها باطلة بالسبر الصحيح، لأن كون العلة الذكورة يقتضي تحريم كل ذكر وأنتم تحلون بعض الذكور، فدل ذلك على بطلان التعليل بالذكورة لقادح النقض الذي هو عدم الاطراد. وكون العلة الأنوثة يقتضي تحريم كل أنثى كما ذكرنا فيما قبله. وكون العلة اشتمال
(يُتْبَعُ)