وهناك رواية أخرى صحيحة عند الترمذي؛ من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قالت قريش لليهود - هذا في مكة ـ أعطونا شيئًا نسأل هذا الرجل،فقالوا: سلوه عن الروح،فسألوه عن الروح فأنزل الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) (الاسراء: من الآية85) فهذه نزلت في مكة وتلك في المدينة؛فيقال: إن الآية نزلت مرتين .. بسببين؛ مرة سأله المشركون بمكة فنزلت الآية .. ومرة سأله بعض اليهود في المدينة فنزلت الآية.
تعدد الآيات النازلة مع اتحاد السبب:
السبب قد يكون واحدًا، وتنزل أكثر من آية، و ليس المراد أكثر من آية سردا في موضع واحد من القرآن، بل المقصود آيات متفرقة بسبب واقعة واحدة:
مثاله: ما أخرجه الترمذي، من حديث أم سلمه رضي الله عنها قالت: (يغزوا الرجال ولا تغزوا النساء وإنما لنا نصف الميراث .. فأنزل الله:(وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) (النساء: من الآية32) يقول الترمذي: قال مجاهد: فأنزل فيها (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) (الأحزاب: من الآية35وأيضا أخرج الترمذي عنها قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة؟ فأنزل الله تبارك وتعالى:) أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) .. الآية من سورة آل عمران: (من الآية195) .
وعند الحاكم عنها قالت: قلت يا رسول الله .. الله يذكر الرجال ولا يذكر النساء فأنزل الله: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ) (الأحزاب: من الآية35) في الأحزاب، وأنزل: (أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ) (في آل عمران: من الآية195) .
تعدد سبب النزول مع كون النازل واحدًا:
ومثاله: ما ورد في أحد الروايات الصحيحة في سبب نزول صدر سورة التحريم:) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) (التحريم: من الآية1) من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه بعد صلاة العصر، وكان يمر على زينب فتسقيه عسلا فغارت منه بعض أزواجه .. فاتفق بعض هؤلاء الأزواج .. أنه إذا دخل على واحدة؛ أن تقول له: إني أجد منك ريح مغافير ـ وهو طعام له رائحة معينه غير مستساغة ـ والنبي صلى الله عليه وسلم كان يشق عليه أن يوجد منه الريح التي يتأذى منها الناس. .فقال: إنما هو عسل شربته عند زينب فقالت: لعل نحله جرست العرفط - نبت له رائحة ـ، فلما ذهب إلى الثانية قالت: إني أجد منك ريح مغافير، فقال هو عسل شربته، قالت لعل نحله جرست العرفط. فحرمه النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه. فأنزل الله عز وجل:) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) (التحريم: من الآية1)
وصح أيضا في بعض الروايات وهي أشهر: أن ذلك بسبب جارية النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما جاءت عائشة رضي الله عنها واحتجت على النبي صلى الله عليه وسلم، لما ـى جاريته، وقالت: في يومي وفي بيتي؛ فحرمها النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه فأنزل الله عز وجل هذه الآية.
ومن أمثلته المشهورة المعروفة: ما ذكرته سابقًا في قصة عويمر العجلاني لما قذف امرأته، وكذلك هلال بن أميه لما جاء وقذف امرأته أيضًا،فكل واحد منهما جاء إلى النبي صلى عليه وسلم على حده .. وإذا نظرنا إلى الروايات الواردة في هذا؛ نجد أن الراوي يقول بعد كل واحدة منها فأنزل الله فيه .. ويذكر آية اللعان (والذين يرمون أزواجهم) فيقال: هذه وقائع متقاربة نزلت الآية بعدها جميعا فكل ذلك سبب لنزولها.
العمل عند تعدد الروايات في سبب النزول وتنوعها:
1/ ننظر أول ما ننظر إلى الثبوت.، فالروايات الضعيفة نستبعدها، ثم ننظر بعد ذلك إلى الصيغة، وقد سبق أن أسباب النزول منها ما يكون بصيغه صريحة، ومنها ما ليس بصريح؛ فما كان بصيغة غير صريحة فهذا يستبعد لأنه من قبيل التفسير؛ فيبقى عندنا الصحيح الصريح، وعندئذٍ ننظر: هل الحوادث هذه متقاربة؟ فإن كانت متقاربةً؛ حكمنا بأن الآية نزلت بعد هذه الحوادث جميعًا؛ كما ذكرنا في قصة اللعان قبل قليل، وإذا كانت الحوادث متباعدة حكمنا بتكرار النزول.
ولعلي أذكر بعض الأمثلة والتطبيقات على هذا:
أولًا: ما اجتمع فيه الضعيف والصحيح وكله صريح في الصيغة:
(يُتْبَعُ)