الجواب: لا .. بل الوضوء فرض قبل ذلك بكثير، ولكنه لم يرد في القرآن فجاءت الآية التي تبين الوضوء وتشير إليه متأخرة بعد ذلك.
يقول ابن عبد البر رحمه الله: معلوم عند أهل المغازي أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل منذ افترضت الصلاة عليه إلا بوضوء ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند، فأنزلها الله عز وجل ليكون حكمها متلوًا مع كونه مفروضًا. والمقصود أن الآية نزلت بعد تقرير الحكم بمدة طويلة.
مثال أخر: الله عز وجل يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الجمعة:9) فهذه السورة مدنية، وصلاة الجمعة فرضت بمكة، ولم يصلها النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، لكنه أمر مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه فأقامها للناس في المدينة، ثم صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بعدما هاجر، لكنه لم يستطع في مكة أن يصلي الجمعة؛ لأنه كان مستضعفًا فآية الجمعة نزلت في سورة مدنية؛ مع أن حكم الجمعة قد شرع وفرض قبل ذلك في مكة.
ما تكرر نزوله:
من الأدلة الظاهرة التي لا يكابر فيها أحد؛ أن القرآن كان ينزل على حرف واحد في مكة، وهو حرف قريش، واستمر على ذلك عشر سنين، ثم نزلت باقي الأحرف الستة في المدينة، وهذه الأحرف الستة، موجودة في ضمن الآيات المكية أ] ضًا، فمعنى ذلك أن جبريل عليه السلام صار ينزل مرة ثانية بالآية التي تقرأ بأكثر من وجه أو جاءت بحروف متنوعة، وهذا قطعًا لا يستطيع أحد أن يعترض عليه، وإن اعترض من اعترض على بعض الأمثلة الأخرى، فيقال: إن الآية قد تنزل مرة ثانية تأكيدًا لمضمونها، أو ليبين لهم أن الحكم الذي أشكل عليهم، أو الذي هم بصدد اتخاذ موقف فيه في هذه القضية هو نفس حكم ما سبق في القضية الفلانية، أو مما نزل في الآية الفلانية، وهذا له أمثلة كثيرة جدًا أذكر منها مثالين:
الأول: أن الله عز وجل يقول: (الم*غُلِبَتِ الرُّومُ) (الروم 1:2) فقد صح عند الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس فأعجب ذلك المؤمنين فنزلت: (الم) إلى قوله: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) (الروم: من الآية4) ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس.
وهناك رواية أخرى أشهر من هذه الرواية وهي من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، في قصة الرهان المشهورة التي وقعت بين أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبين بعض المشركين؛ لما تغلبت الفرس على الروم والنبي صلى الله عليه وسلم في مكة قبل الهجرة، ففرح المشركون بذلك لأن الفرس من الوثنين، والروم من أهل الكتاب، فتفاءلوا بهذا وقالوا: نحن سنغلبكم كما غلب إخواننا من المشركين أهل الكتاب، فأنزل الله عز وجل: (الم*غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ) (الروم: 1 - 4) فقالوا: تقول: في بضع سنين؟ فتراهنوا مع أبي بكر رضي الله عنه، فقالوا ننظر تصدقون أم لا تصدقون؟ فتراهن معهم أبو بكر في القصة المشهورة فحصلت هذه الغلبة في يوم بدر. فأنزل الله عز وجل الآيات مرة ثانية: (الم*غُلِبَتِ الرُّومُ) (الروم1:2) نزلت مرتين، مرة لما افتخر المشركون في مكة، ومرة لما تحقق الوعد بانتصار الروم على الفرس.
المثال الآخر: في قوله تبارك وتعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الاسراء:85) أخرج الشيخان من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث في المدينة ـ في مزرعة ـ وهو يتوكأ على عسيب فمر بنفر من اليهود،فقال بعضهم: سلوه، وقال بعضهم: لا تسألوه فإنه يسمعكم ما تكرهون، فقالوا: يا أبا القاسم حدثنا عن الروح، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ورفع رأسه إلى السماء، يقول ابن مسعود: فعرفت أنه يوحى إليه، حتى صعد الوحي ثم قالِ:(قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) (الاسراء: من الآية85) فهذا كان في المدينة.
(يُتْبَعُ)